🍃 قال الإمام ابن القيم رحمه الله تبارك و تعالىٰ - :
• من خواصِّ الغناء : أنه يُلهي القلب ويصدُّه عن فهم القرآن وتدبُّره ، والعمل بما فيه ؛ فإن القرآن والغناء لا يجتمعان في القلب أبدًا ؛ لما بينهما من التضادّ ؛ فإن القرآن ينهىٰ عن اتباع الهوىٰ ، ويأمر بالعِفَّة ، ومُجانبة شهوات النفوس وأسباب الغيّ ، وينهى عن اتباع خُطُوات الشيطان .
• والغناء يأمر بضد ذلك كلِّه ، ويُحسِّنه ، ويُهيِّج النفوس إلىٰ شهوات الغيِّ ، فيُثير كامِنَها ، ويُزعجُ قاطنها ، ويُحرِّكها إلىٰ كل قبيح ، ويسوقها إلىٰ وصل كل مليحة ومليح ، فهو والخمرُ رضيعا لبانٍ ، وفي تهييجهما علىٰ القبائح فرسا رهان ، فإنه صِنوُ الخمر ورضيعه ، ونائبه وحليفه ، وخَدينُه وصديقه ، عَقَدَ الشيطانُ بينهما عقد الإخاء الذي لا يُفْسَخ ، وأحكم بينهما شريعة الوفاء التي لا تُنسخ ، وهو جاسوس القلوب ، وسارق المروءة ، وسُوس العقل ، يتغلغل في مكامن القلوب ، ويطّلع علىٰ سرائر الأفئدة ، ويَدِبُّ إلىٰ محل التخييل ، فيُثير ما فيه من الهوىٰ والشهوة والسخافة والرّقاعة والرعونة والحماقة .
• فبينا ترىٰ الرجل وعليه سمة الوقار ، وبهاء العقل ، وبهَجة الإيمان ، ووقار الإسلام ، وحلاوة القرآن ، فإذا استمع الغناء ومال إليه نقص عقلُه ، وقَلّ حياؤه ، وذهبت مروءته ، وفارقه بهَاؤه ، وتخلىّٰ عنه وقاره ، وفرح به شيطانه ، وشكا إلىٰ الله تعالىٰ إيمانُه ، وثَقُل عليه قرآنه ، وقال : يا رب ! لا تجمع بيني وبين قرآن عدوِّك في صدرٍ واحدٍ .
• فاستحسنَ ما كان قبل السَّماع يستقبحه ، وأبدىٰ من سِرِّه ما كان يكتمه ، وانتقل من الوقار والسكينة إلىٰ كثرة الكلام والكذب ، والزهزهة والفرقعة بالأصابع ، فيميل برأسه ، ويهزُّ منكبيه ، ويضرب الأرض برجليه ، ويدقّ علىٰ أُمِّ رأسه بيديه ، ويَثبُ وثباتِ الدِّبابِ ، ويدور دوران الحمار حول الدولاب ، ويصفِّق بيديه تصفيق النسوان ، ويخور من الوَجْد كخُوار الثيران ، وتارةً يتأوّه تأوّه الحزين ، وتارةً يزعق زعقات المجانين .