وسأبين الآن؛ إجمالا؛ ببعض الأمثلة استحالة دراسة القرآن بهذا العلم الدنيوي؛ وهو من علوم الآلة؛ لا شك؛ ولكن تسميته بذلك مع إضافة قيد: علم من علوم الآلة لدراسة اللغات البشرية. وسأقتصر على ثلاث أمثلة بتحليل معجمي لألفاظ قرآنية؛ يستند إلى علمي المعجمية والمعاني؛ عسى أن يتبين من خلاله المقصود لكل منصف، أما التفصيل فسيأتي في حلقة غير هذه بإذن الله، ودونكم التحليل: 1. فلنبدأ بلفظ الجلالة "الله"؛ الذي ورد في القرآن الكريم 2699 مرة وفي ثنايا 85 سورة؛ كفي مثل قوله سبحانه: (اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ ) ]البقرة: 255 [؛ فكيف نفهم هذا اللفظ الجليل إذا اتبعنا طريقة اللسانيات السوسيرية في تحليل الألفاظ وشرح المعاني؟ فهل نفهمه على عقيدة سوسير على أن اللغة هي عبارة عن منتَج اجتماعي وثقافي وأنها اصطلاح واتفاق وعقد بين أفراد المجموعة اللغوية...؟ فحينذاك لا بد إذن أن يختلف معناه من مجتمع إلى آخر ومن ثقافية لأخرى، وهل يصح مثلا أن نقول أن أفراد المجتمع اللغوي اتفقوا من - عندهم -، كما يقول سوسير؛ على تحديد معناه؟ أم أن الأمر غير ذلك كله؛ وهو أن معنى الله توقيفي؛ ولا يجوز تحويره وتغييره وتحيينه عن طريق ظاهرة التطور اللغوي؟ فالجواب يعرفه أبسط طلبة اللغة. ويتضح المثال أكثر إذا ما رأينا كيف يسمى الله سبحانه في اللغات الأخرى؛ فهنالك يتضح التباين الموجود بين اللغات والثقافات؛ ففي الفرنسية مثلا؛ أطلقوا عليه اسم (Dieu)، وأراد بعض الكتاب والمترجمين العرب والعجم جعله مرادفا للفظ "الله"؛ وهدا خطأ شنيع؛ لأن (Dieu) المنبثق من الاستعمال اللغوي العرفي الفرنسي (وعلى أساس علم اللسانيات المعاصرة) يحمل معاني خطيرة؛ لو أطلقها عالم بها في حق الله سبحانه لوقع في قول عظيم. ومن أراد التأكد فليراجع قواميس اللغة الفرنسية. هذا، وليعلم أن معنى لفظ الجلالة التوقيفي منبثق من معاني التوحيد والتعبد لله وحده، بينما لفظة (Dieu)؛ فهي نابعة من وثنيات الفلسفة الإغريقية وتحريفات الديانة النصرانية وتخريفات المفكرين الغربيين؛ فهم اصطلحوا على ذلك، ( وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ)؛ "وليس الخبر كالعيان" حديث صحيح؛ أخرجه أحمد وصححه الألباني. 2. نأخذ اسما آخر؛ وهو أيضا من أعظم أسماء الله الحسنى؛ وهو الرحمن؛ قال الله عز وجل (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَٰنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَٰنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا)؛ فهذه اللفظة العظيمة؛ استنكرها فطاحل لغة العرب؛ وهم كفار قريش؛ وما أدراك ما قريش؛ حيث لم يكونوا يعرفون معناها. قال الإمام القرطبي رحمه الله: "قوله تعالى : وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن أي لله تعالى . قالوا وما الرحمن على جهة الإنكار والتعجب ، أي ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة ، يعنون مسيلمة الكذاب . وزعم القاضي أبو بكر بن العربي أنهم إنما جهلوا الصفة لا الموصوف، واستدل على ذلك ، بقوله : وما الرحمن ولم يقولوا ومن الرحمن ". تفسيره. وقال العلامة السعدي رحمه الله: " (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ)؛ أي: وحده الذي أنعم عليكم بسائر النعم ودفع عنكم جميع النقم. { قَالُوا } جحدا وكفرا { وَمَا الرَّحْمَنُ } بزعمهم الفاسد أنهم لا يعرفون الرحمن، وجعلوا من جملة قوادحهم في الرسول أن قالوا: ينهانا عن اتخاذ آلهة مع الله وهو يدعو معه إلها آخر يقول: " يا رحمن " ونحو ذلك كما قال تعالى: { قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى } فأسماؤه تعالى كثيرة لكثرة أوصافه وتعدد كماله، فكل واحد منها دل على صفة كمال." تفسيره. فهل نقول كما تنص عليه اللسانيات وعلمي المعاجم والمعاني أن المعنى سيأخذ من "المدونة (corpus)؛ وهي من وضع الإنسان؛ يخزن فيها المعاني المنتجة من الاستعمالات اليومية للغة في مجموعة لغوية ما..." (عبد الرحمن عياد، علما المعاجم والمعاني. مقاربة دراسية لألفاظ الإسلام، باللغة الفرنسية، ص: 14)، أم أننا نتبع المعنى المنزل الذي أراده الله سبحانه وتعالى وبلغه عنه نبيه صلى الله عليه سلم؟ 3. لفظة "آمين"؛ التي يقولها المسلم في كل صلاة بمعدل 17 مرة في اليوم؛ على أقل تقدير؛ فمعناها "اللهم استجب"؛ هكذا مع ذكر لفظ الله؛ فهي دعاء؛ وهذا ما دلت عليه السنة؛ بينما مقابلها في اللغة الفرنسية (amen !) هكذا وتليها علامة تعجب؛ فمعناه عند الفرنسيين هو: (d’accord, et, ainsi soit-il).