📖 رَمـضان في صُحبةِ الأسماءِ الحُسنى

🌙 الّليلةُ التَـاسِعـة

- التَّــوّاب ..

هذا الاسم تُرمم به القُلوب..
فكيفَ هي أرواحكم الَّليلة؟

قال تلميذ:
رُوحي من ظمإ البِعاد مُحترقة..
يا سيّدي..
رحم اللهُ مَن وجد مَـلاذَه...!

قال الشيخ:
ارفع ثوبَك عن الذنبِ تكن صفيًّا!

رمَضان صَومعةُ المؤمن..
يكفّ فيها لسانه وبصره.

فإذا تخلّى؛ صَفـا..
ومَن صَفا؛ تجَـلّى!

انظر كيف تركُض اليوم جَوارحنا في الفتنة.. يُجلبُ الشَيطان بالزّلل عَلينا..
ماذا بقيَ من حُروف إمامَتنا للأُمة إنْ أكلتْ الشَهوات قُوانا!

يا ولدي أنتُم حطبُ التَغيير..
والذنوب نـارٌ؛ لا تُبقي منكم ولا تَـذر.

مَـن للمآذن يَرفعها؛ إن غَرقِتْ أصواتنا في طِينها؟

يا ولدي..
سمى نفسه التـّوّابَ؛ وليسَ التَائـِب..
لأنّه يَظَلُ يَـزرعك في ضِفاف الأَوْبَـةِ؛ حتى لا يغيبَ مَطلعُك!

هُو التَـّوّاب..
فَلملمْ طُيوفك، ولا تُقَـدِّم تَبريـرك..
وقُـل:
خُـذني مـن نفسي إليك..
خُـذني منّي إليكَ يـا الله..

أنت شوَق الأُمّة؛ فمَن ضَـيَّعكْ!

أنتَ ترتيلةُ البَدء للمعركة..
فانفضُ عنكَ اشتهاءَ المَـعاصـي لا تُقعدك..
لا تَقم في تـِيه بني إسرائيل؛ فأنتَ راية طالَ انتِظارها!

اشَتدّ صوتُ الشيخ وهو يقول:
يا أُمـّةً ثكلَت دينها يومَ استباحت شهوةَ الذَنب..
أرثيكِ إذ صَار الرِّبـا مُباحًا، والفتنةُ احتمالاً، والشّك في الله حَـلالاً ... والمحدثات قربات!

أرثيكِ يا أُمـةً..
كُـنتِ أنتِ زمَـن المُستحيل، وكان خَـطوكِ صَداهُ فتحٌ مُبين!

رَبّـاهُ يـا تَـوّاب..
تَلاشتْ مَلامحنا؛ يومَ نبتتْ أغـلال الذُنوب في مَرافقنا!

يَـا ربّ..
كُـل لُغتـنا مَـلأى بتأويـلِ الحَـرام..
تُـبْ عَلينا مـن تِيهنا..
فالباطـِن كُـله صار زبَـدًا.

قال تلميذ:
يَـا خَـفِيّ الُلطف..
أدرِك ما أوشَك مـِن قَلبـي وخَـطوي أنْ يَـضيع!

قال الشَيخ:
أُعيذُ قلبكَ يا ولدي مِن ذَنبٍ يُكَـدّره.. أُعيذُ قلبكَ مِن يأسٍ تمَلـّكَه.

أقبِل على الله..
وقُل للذَنبِ:
دَعْ قلبي إنّي مَلَلتك قَيدًا.

أَعـِذْ صَحيفتـي مـِن إثمـي والهَـوى
يا تواب هَـذي خطايَـاي فـي المـِحـْرابِ تَغْـتَسِـلُ!

يَـا أبنائــي..
كُل دقيقةٍ في المَعصية؛ هـي جـِراح الآخـرة..
وما الدار الآخرةُ؛ إلا رايـات..
ويُبعث الناسُ تحتَ راياتـِهم..
فَـأيِّ الرايـات فـي الحَـشر راياتـك؟!

مَخطوطة على الرَاياتِ؛ أحزانُ الآخرةِ وَأفراحـها..
فلا تَسمع يوم القيامة إلا أنينَ القَوافـِل من حمْلها؛ أو صوت السَّبـق فـي حَسنـاتِ أبرارهـا!

يَـا قَـوم..
إن ضِفاف الفـِردوس لا تُـدرَك؛ حتى للهِ الذُنوب تُـتْرَك.

ارمِ خَطايـاك في محرابهِ..
وقُـل:
هَـذا أنـا.. لا أُحصـي ذَنبـي عَـدَدًا..
إنـّي مُحتـاجٌ إليكْ..
إنـّي أشتَهي؛ كُلّما دعوتُ القلبَ أنْ يُطيع.

إنـّي مُحتَـاجٌ إليـْك..
وأشتهي أنْ تَـتوب عليَّ؛ كَـي أتـوب!

ابكِ بين يديه..
إن أثمَن الدَمع؛ مـا فـي التَوبـةِ انتَـثر.

قال التلميذ:
يَـا رب..
هبْـني حَـالاً كَـحال الصَالحين..
وَدمعًا كَـدمع الُمخبـتين!

قال الشيخ:
أولئكَ مَن تسلّقوا المسافات إلى المَقامات..
أولئك مَن تَوضّؤوا بالغـَيمات؛ وما قبلوا طـِيـن الأرض لَهُـم طَريقـًا!

التَوبـةُ..
عزيمةُ القَلـب للأُمّـة..
التَوبـةُ..
ليست بكاءُ العاجزين بل هي قوةُ الاستعداد في الأمة
التَـوبـةُ..
مَسـارُ العَـودة..
ومَـن تهجـّى البدايات؛ أدركَ خارطـة الطَـريق!

يَـا ولـدي..
اقرأ مَدامعنا اليَـوم.. دمعةً دمعةً..
اقرأ عَواصمنا؛ صفحةً صفحةً..
اقرأ كيفَ عقـَرتْ خَطايـانـا خيلَ التـّغيـير!

يَـا قَـوم..
لا ينتهي الَليلُ؛ إلا على بَـاب الصَحوة..
ولا صَحوةَ للأُمـّة؛ دونَ التَوبـة عَـن هذا الغِياب الطَويل!

يَـا ولـدي..
إنْ أوقـَدوا لكَ في الَمعصية نارَ الفِتـنة؛ فأوقـِد فـي الطاعَـة نَـارَ الهُـدى!

يُسَعِّـرون لكَ الشَهوات؛ حتى يتهَجـّوك وَهماً..
حتى تَغدو هباءً منثوراً!

رمَـضـانُ مواسـم الـذَاكـرة للأُمـّة.. مَواسم سُورة التَوبة..
تبَوح لكَ بأسرارها..
تبوحُ لكَ؛ بمن تعثـّروا بالتأخـّر فتَخلّفوا.

كَـم مرةً أنتَ تأخّرتَ عن الله؟
فقُـل:
الَلهُم تُـبْ عليَّ لأَتُـوب!

يَـا ولَـدي..
تُقاسُ المَسافات في الآخـرةِ بالفَضائل، فَيُـبعثُ الناسُ وبينهم مَسافاتٌ تسمّـى؛ مَقامـات..
فيُقالُ؛ سبقَ فُـلانٌ بِخطوة..
فإذا بها في مَقياسِ الآخرة ممـّا لا تُدركه الأعمـار.. فتب عن تأخرك في المقامات!

يَـا ولـدي..
ستظَـلّ الحياةُ تَعرض عليكَ فِتـنتها لـوناً بعدَ لَـون، وتتَرفـّق بـكَ وهـي تُغريك بما لَديها مِـن زَوال.. فَتشبّث باللهِ.. وقُـل:
(يَـا تَـوّاب.. أسألـك ألا ينطفئَ نَبْضي إلاّ مُطمئناً؛ وفي موضعٍ تُحبّ أنْ ترانـي فيه).

أعـوذُ بـك مـن سُـوء المُنقَلب في النـِّيـّات، والخـطوات، والعـزائم، وما سبَـقَ لنا مـن الحسنَـات!

أنتَ عند الله كلمةٌ طيبةٌ؛ فـلا تأذَن للشيطان أن يَغتال جَذرَك!

Comments

Be the first to add a comment