يا لِلحظةِ الاقترابِ من صِوتِ زَمزمَ وهي تَسيل .. ويا للبركةِ إذ تَتدفقُ من زَمزم في البيتِ الحرامِ في زَمنِ العَشْرِ من ذِي الحِجَّة !
هنا .. تَتضاعفُ البَركةُ حتى تَسكن الحَجيجَ ؛ فيعودونَ مبارَكين مُبللين بالرّحمة ! يَغمسونَ أيديهم في زَمزم و يَنغمسونَ ؛ فَيغنمون و يَتمنون !
فيا لله .. يا لله كيفَ تكونُ ضِفافُ الأحلامِ بعيدةً .. فإذا انسكَبتْ فيكَ زَمزم ؛ تَناولتَها كأنّ حِبالَ الدِلاءِ في زمزم مَشدودٌ بها الدعاء !
في مَرح النّشوَة ؛ يَستظلون عند أكوابِ زمزم .. يطيلونَ المكثَ و يَحكونَ للماءِ بكل اللغاتِ أسرارَ الحاجات .. يُودِعونها في الماء المُنساب على مهلٍ في الأفواه .. ثم يَنتظرون تَنزّلها من اللوحِ المَحفوظ .. فقد حرّكوا سِلسلة الإجابَة !
يَنبتونَ في الماء المُبارك ؛ِ و تَنبتُ لهم الأمْنيات .. فهنيئًا لمن انزاحَ دربُه نحوَ مكّة .. هنيئًا .. فقد طُويتْ له إلى القُربِ المَسافات !
هنا الوجدُ .. وهنا كلّ ما يَتمنى الحَاجُّ يَجد .. هنا يُفكُ قيدُ الأسير .. وهنا تُمحى آثارُ الضَياع .. وهنا .. كلما وقعتْ قطرةٌ على قطرةٍ فارَتْ زمزمُ بالبركات !
على حافَّة البِئر المُبارك ؛ِ جلسَ ابن حجر العَسقلانيّ وقال : َ ( شربتُ ماءَ زمزمَ لِأصلَ إلى مرتبةِ الإمام الذّهَبي في الحِفظ ) فبَلغَها وزادَ عليه !
أيُّ عمقٍ هذا وأيُّ أُفُقٍ في الدّعاء !
وجلسَ بعدَه السّيوطيُّ ؛ على نيةِ أن يَبلغَ في الفِقه مرتبةَ الإمامِ البَلقينيّ ، فبلغَ من العِلمِ مَبلغًا عظيمًا ، وتركَ للأمّة مُؤلفاتٍ بلا عدٍّ ولا حَصْر .. كأنّ السيوطيُّ كانَ يشربُ زمزمَ ؛ ينوي بها أن يظلّ عودًا أخضر!
و لما سُئلَ ابنُ خزيمة ؛ من أينَ أوتيتَ هذا العلم .. قال : " إنّي لمّا شربتُ ماءَ زمزم سألتُ الله علمًا نافعًا " ! سَكبَ جِرارَ زمزمَ في فَمه ؛ فانسكبَ له علمُ الحديث ،ِ ولم تَغرب شمسُ ابن خزيمة بعدها أبدًا !
وشَرِبَه القُرطبيّ لحفظِ القرآنِ ؛ فَتيسر عليه في مدة وجيزةٍ ، وقد كان يَثقلُ عليه من قَبل !
على حوافِّ البِئر .. هَمسَ السّلفُ بِخَفِيِّ الدّعاء ؛ أن يبلغَهم اللهُ ما فوقَ السّحاب !
فيا لِعظمَة الحَاجَات حينَ تَبزغ .. فَتجعَل من قَطراتِ زَمزم مطرًا لا يَنفد .. أولئكَ قومٌ ؛ كانوا يَحصونَ أمنياتِهم ، ويَصنعونَ من رشفةِ الماءِ معجزةَ الإجابة .. المُعجزَةُ ليس في أن تنالَ ما تَتمنى .. المعجزة ؛ُ أن تَسألَ ما لا يَنقطِع ! فيا قلبُ الحاجِ .. حُمْ حولَ البِئر ؛ لعلَّ نِيةً تقعُ على نيةٍ فتتشابَه النهايات !
تتخافتُ أصواتُ الحجيجِ عندَ زَمزم .. كأنّ الضبابَ يسترُ أصواتهم وهي تَبتلُّ بالبكاء .. يُخبرونَ اللهَ بكل شيء ؛ٍ ثم يَغسلون بقايَا أرواحِهم بما تبقّى في الأكوابِ من ضُوءِ الماء !
ما أجملَ زمزمَ تتسعُ لنا ولا تَضيق .. نُلقي في بَرَكتها لغةً مَلأى بالأمنياتِ الثقيلة .. فلا تَغورُ ؛ بل تَفورُ و تَزيد !
ما أحنّ زمزم ! تمتدُّ إلى كلماتِنا .. وتَتناهى إلى عُمقنا ؛ ثم تَضمُّنا حتى نَذوب فيها .. كأنّها هاجرُ يومَ ضَمَّت زمزم بيديها ؛ خِشيَة أن تَنقصَ فزادتْ على بَركَة الماءِ برَكة يَديها !
يَجلسُ الحَجيجُ في كلّ رَواحٍ إلى أباريقِ زَمزم المَنثورة ؛ِ كأنّها لحظةٌ من مَشهد الجَنة .. حيثُ يطوفُ على المؤمنين { وِلدانٌ مُخلدُونَ بأكوابٍ وأباريقَ وكأس من مَعِين } !
يَتضلعونَ من زمزم ؛ فَيتسعونَ .. وتتَسِع لهم المداراتُ ؛ فلا شيءَ بعدَ اليوم مَسدود !
يقومونُ وقد عَلِق الماءُ بالأقدام .. تتسللُ القَطراتُ في مَساماتِ الأجْسادِ ، ويَرتَدي الحجيجُ ماءَ زمزم !
كم خَطوةٍ في العُمر ؛ تَحمِلُ نَدى زمزم !! كم خطوةٍ في العُمرِ ؛ مَبلولَة بالبرَكة !!
" ألا ياليتَني حَصاةٌ في طريقِ قَدَمٍ اغتسلتْ بماءِ زمزم " !
يا للبركةِ تَرفلُ في المَسير .. يا للبركة وهي تَصنعُ لك خطوةَ البِدء ؛ فلا مُنتهى !
ويا للودِّ الإلهي ّ.. إذ يَستقبل اللهُ عبادَه في بيتِه بشربَة ماءٍ تَسترُهم من العَراء !
يا للودّ الإلهي .. إذ يَهمسِ الحاجُ في الماءِ ؛ فتصيرُ الأمنيةُ طيرًا ، ويرفرفُ الدعاءُ روحًا ؛ وتُلتقطُ الأحلامُ !
يا للودّ الإلهي .. حينَ ينتبذُ الحاجُ قَصيًا عن أهله ؛ فيردّه اللهُ مُضاءً بقناديلِ البِشارَةِ والعَطاء !