حقيقة محزنة
لقد أصبحت الدراسات اللغوية العربية نسخة طبق الأصل عن الدراسات اللغوية الغربية؛ فأصبح العرب ينسخون ويلصقون مناهج ومصطلحات وتقسيمات وآليات للتحليل؛ لم توضع؛ على أقصى تقدير؛ إلا منذ قرن من الزمن أو أكثر بيسير؛ فأخذوا يسقطونها على أقوى وأغنى لغة؛ العربية العظيمة؛ التي تمتد إلى آلاف السنين؛ وزادت قوة وإحكاما وضبطا وشساعة بتكريم الله لها بإنزال آخر كتبه بها...
فاللهم اجبر كسرنا وداو مصابنا؛ فكيف يعقل أن نستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؟!
نعم، يقولون أن ما يسمى- تزييفا وتغريرا - باللسانيات المعاصرة؛ كان له الفضل في إمداد الدرس اللغوي العربي بوسائل تحليلية محدثة وسمح، بتطبيق المنهج التجريبي على اللغة... إلى ما هنالك من كل تلك الدعاوى العريضة... ولكنها فارغة؛ ويبصر عوارها العالمون.
فإن ما وراء اللغة العربية؛ هو كتاب الله العزيز؛ لسانه الرباني الإلاهي المعجِز؛ فقد أسقطوا تلك النظم الغربية المختلة على آياته التي يمتنع عليها النقص الذي يطرأ على كلام البشر...
وأي كلام وأي بشر؛ كلام أناس ضرب الإلحاد بأطنابه في كل زاوية من زوايا قلوبهم؛ فانتقل الداء إلى لغاتهم؛ ولا بد للداء أن ينتقل؛ فإن اللغات تصح وتمرض وتقوى وتضعف بصحة ومرض وقوة وضعف أهلها... فأقصوا الوحي السماوي عن درس اللغات... فما هي أسباب ذلك الاقصاء؟ ألأنهم ملاحدة فحسب؟ أم لأنهم طرحوا كتبهم لعلمهم بأنها محرفة؟ أم لأن اللغات الأصلية لكتبهم انقرضت؟ أم لأن لغات كتبهم لا يدرى أصلا ما هي على وجه اليقين؟
ولكن الطامة الكبرى؛ هي أن داءهم تسلل إلى درس العربية بعد أن اجتاح قلوب كثير من المشتغلين بها...
إلا أن ذلك قد حصل؛ حسب تصوري؛ بصورة عكسية؛ فبدلا من ترك العربية والقرآن المجيد في منأى عن تلك العلوم اللسانية الإفرنجية، ومواصلة المسير على سنن علماء العربية الأوائل؛ أخذ القوم يعملون معاول الهدم اللغوي على القرآن نفسه!!
فبيت القصيد؛ هو أن كلام الله؛ القرآن العظيم؛ آخر الكتب السماوية والمهيمن على كل ما سواه؛ هو البغية وهو الهدف...
فإذا نُزعت العصمة منه في قلوب المسلمين؛ وارتفعت الحرمة التي يعتقدونها له؛ تجرؤوا عليه؛ نسأل الله العافية والسلامة؛ بتوظيف علوم اللسان الغربية على سوره وآياته...
وقد انزلق كثير منهم إلى هذا الوحل الضحل، فآثروه على محيطات علوم القرآن واللغة العربية الزاخرة بما لا يتأتى لبشر؛ غير نبي؛ الإحاطة به.
ومن أراد أن يلحظ من طرف خفي نزرا يسيرا مما حل بلسان العرب في عصرنا من دواهي؛ في مبناه ومعناه؛ فليرم ببصره أو ليلق بسمعه إلى ما يكتبه ويقوله المتكلم العربي؛ أقصد المثقفين والمتعلمين؛ الذين يتصدرون الواجهات؛ فسيندى الجبين لما يقع عليه بصره ويبلغه سمعه من تلك الفضائح اللغوية...
ومع الأسف الشديد؛ فإن رعاة اللسانيات الغربية العربية؛ يسمون تلك الأخلاط اللغوية؛ التي لا تقيم فكرا ولا تفصح عن مكنون؛ اللغة العربية المعيارية الحديثة!!
وهذا المصطلح العجيب الغريب؛ وخذه على سبيل المثال؛ هو ترجمة حرفية للمصطلح الفرنسي (ASM: arabe standard moderne).
فإن لم يكن هذا تقنينا للرداءة اللغوية؛ باستساغة الأغلاط؛ وما هي بسائغة؛ بمثل هذه المصطلحات الفجة؛ فما هو إذن؟
ولكن اعلم يا عبد الله؛ أن تردي اللغة هو عنوان رداءة حاملها والناطق بها؛ فمستكثر ومستقل.
وكل متكلم يضع نفسه في الموضع اللائق به؛ الرائق له: ((بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ)).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"مَن سَنَّ سُنَّةً حَسنةً فعمِلَ بِها؛ كانَ لَهُ أجرُها وَمِثْلُ أجرِ مَن عملَ بِها؛ لا يَنقُصُ مِن أجورِهِم شيئًا، ومن سنَّ سنَّةً سيِّئةً؛ فعملَ بِها؛ كانَ عليهِ وزرُها وَوِزْرُ مَن عملَ بِها من بعده؛ لا ينقصُ من أوزارِهِم شيئًا." رواه مسلم وغيره.
ك/د. أبو فهيمة عبد الرحمن عياد
أستاذ محاضر في اللسانيات وعلوم اللسان باللغة الفرنسية
متخصص في الألفاظ الإسلامية

Comments

Be the first to add a comment