بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ))؛ بل المسلم يتعلم ويعمل ويجد ويجتهد مع اعتقاده بالله ويقينه بالآخرة، وهو يتمثل في خلده ويعقد في قرارة قلبه تلك القاعدة الحكيمة القويمة؛ التي من التزمها صفى ذهنه وارتاح قلبه " على المسلمين البلاغ وعلى الله سبحانه الهداية".
وفي الأخير؛ فأود التنبيه إلى أن العمل للدين والدار الآخرة لا يتنافى مع العمل لإصلاح الدنيا والمعيشة فيها والسعي بالسبل المشروعة النافعة لتقوية الأمة والسهر والإبكار لأجل التقدم والابتكار وجعل الأمة في مصاف الأمم؛ بل والجد لجعلها في مقدمة الأمم كما كانت.
فالمسلم يفهم هذا ويقتدي بأسلافه أيام دانت لهم ممالك الروم والفرس؛ فيعمل مثلما عملوا.
قال الله تعالى ((وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)).
قال الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره :"قوله تعالى وقل ((اعملوا)) خطاب للجميع . فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون أي بإطلاعه إياهم على أعمالكم . وفي الخبر : لو أن رجلا عمل في صخرة لا باب لها ولا كوة لخرج عمله إلى الناس كائنا ما كان."
والمسلم الأريب المستمسك بالله؛ لا يعجز، ولا يكل، ولا يمل؛ ويعلم أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الذي قال للفاروق عمر رضي الله عنه وأرضاه:"يا بنَ الخطَّابِ أما ترضَى أن تكونَ لنا الآخرةُ ولهم الدُّنيا"؛ هو الذي ملأ الدنيا علما وعملا وأرسى قواعد السؤدد والقوة والفلاح في أمته، كما يعلم أيضا ويفهم؛ بل عليه أن يفهم كما فهم عمر؛ أن عمر نفسه الذي وُجه له هذا الخطاب النبوي الكريم: "يا بنَ الخطَّابِ أما ترضَى أن تكونَ لنا الآخرةُ ولهم الدُّنيا"؛ هو الذي فتح أمصارا من الدنيا بعد رفيق دربه وصاحبه الصديق الأكبر أبو بكر رضي الله عنه، وعلى ذلك سار الخلفاء وكل الصحابة العظماء، رضي الله عنهم جميعا وأرضاهم؛ فلم يركنوا إلى الأرض ولم يصفوا في مصف الخائرين؛ بل فتحوا الدنيا وهم يعملون بالدين؛ وعلى ذك جرى عمل أهل السنة الفاتحين.
عن عمر رضي الله عنه قال:"دخلتُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو على حصيرٍ قال: فجلستُ، فإذا عليه إزارُه، وليس عليه غيرُه، وإذا الحصيرُ قد أثَّر في جنبِه، وإذا أنا بقبضةٍ من شعيرٍ نحوَ الصَّاعِ، وقَرظٍ في ناحيةٍ في الغرفةِ، وإذا إهابٌ مُعلَّقٌ، فابتدرت عيناي، فقال: ما يُبكيك يا بنَ الخطَّابِ؟ فقال: يا نبيَّ اللهِ وما لي لا أبكي! وهذا الحصيرُ قد أثَّر في جنبِك وهذه خِزانتُك لا أرَى فيها إلَّا ما أرَى، وذاك كسرَى وقيصرُ في الثِّمارِ والأنهارِ، وأنت نبيُّ اللهِ وصفوتُه وهذه خِزانتُك. قال : يا بنَ الخطَّابِ أما ترضَى أن تكونَ لنا الآخرةُ ولهم الدُّنيا."
فنبهه إلى الأصل والمغزى من وجودنا؛ وهو الاهتمام بالآخرة، مع أن من كان همه الآخرة أتته الدنيا وهي راغمة، كما ثبت في الحديث الصحيح.
فعن زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :"من كانت الدُّنيا همَّه ، فرَّق اللهُ عليه أمرَه ، وجعل فقرَه بين عينَيْه ، ولم يأْتِه من الدُّنيا إلَّا ما كُتِب له ، ومن كانت الآخرةُ نيَّتَه ، جمع اللهُ له أمرَه ، وجعل غناه في قلبِه ، وأتته الدُّنيا وهي راغمةٌ." صححه الألباني في الصحيحة.
فهنا مربط الفرس، وبهذا نال المسلمون العز وقهروا جبابرة الأمم وأرجعوهم إلى الله بعد أن استحوذت عليهم الشياطين.
فاعلم علم يقين؛ أن المسلمين لن يرجع لهم ذلك العز إلا برجوعهم إلى دينهم وتمسكهم به كما تمسك به أسلافهم.
فإنما هو إرث وميراث ورثوه ثم أهملوه؛ ومن ترك إرثه لم ينتفع به.
قال عمر الفاروق الملهم :" إنَّا كنَّا أذَلَّ قومٍ، فأعزَّنا اللَّهُ بالإسلامِ، فمهما نطلُبِ العِزَّةَ بغيرِ ما أعزَّنا اللَّهُ به أذلَّنا اللَّهُ" صحح هذا الأثر الألباني رحمه الله في السلسلة الصحيحة.
وكتبه/ د. أبو فهيمة عبد الرحمن عياد
أستاذ محاضر في علوم اللسان - باللغة الفرنسية-
أطروحة عن المصطلحات الإسلامية في اللغة الفرنسية
https://t.me/scienceetpratique