تكريس التبعية بالتقليد الأعمى
في العلوم الإنسانية عموما؛ وفي العلوم اللغوية الغربية؛ على وجه الخصوص؛ التقليد الأعمى الذي انتشر بيننا على نطاق واسع جدا؛ حتى تَكَرَّسَ في كثير من الذهنيات؛ وكأنه هو العلم؛ وما التقليد بعلم؛ هو سبب تدهور اللغة العربية في عصرنا.
وإنما العلم؛ معرفة الشيء على ما هو عليه بدليله.
فالذي يحدث عندنا في اللغة العربية؛ أقصد الذين يوظفون المناهج اللغوية الغربية على العربية بفصلها عن أصولها المتعارف عليها في الصدر الأول من الإسلام الذين خدموها؛ فحولوها من لغة البدو (كما يحلو للشانئين تسميتها) إلى لغة جابت أقطار العالم واستوطنت في ربوع الدنيا...؛ حتى وصلت إلينا بعد قرابة خمسة عشر قرنا؛ فهم في الواقع؛ مقلدة اللغويين؛ يترجمون ويحاكون وينسخون ويلصقون ما يقال ويكتب في الغرب... ولا ينتجون علما...
فنحن نجد كثيرا جدا من المفاهيم اللغوية؛ بل ربما معظمها؛ محملة بقيم وثقافات وإيديولوجيات الدوائر الفكرية التي تنتجها؛ ثم يجيء بها من يجيء فينا من أقوامنا؛ فيطبقها ويدرسها دون تنقيح ولا تطهير؛ وكأنها نابعة من صميم عقيدتنا وأخلاقنا وأعرافنا...
فهل هذا السلوك صحيح؟
بالطبع؛ لا!
فاللغة العربية الصحيحة مشبعة بتعاليم الإسلام؛ وكلما أتينا بقاعدة أو مصطلح غربي؛ مادي في الأساس؛ نُحت طريدًا عن الإيمان بالغيب والآخرة؛ ما تلبث إلا وتجد أن ذلك المصطلح بدأ ينافس ما يقابله من مفاهيم في لغتنا العربية؛ ثم ينازعها في عقر دارها...
ثم يستبدلها مع الوقت...
فينتج حينها ما يسمى بالفرنسية (acculturation)؛ "الاستبدال الثقافي".
وهذا شيء معلوم لأولي الأبصار؛ مجهول أو متجاهَل لمن أصيب قلبه وعقله بالعشى الفكري...
فالحاصل أن تبني ثقافات الغرب وإحلال قيمهم محل قيمنا يبدأ بقبول المصطلحات والمفاهيم، وعدم نقدها، وتهذيبها، وتنقيتها؛ وتعبئتها بقيمنا... ورفضها إذا ما استعصت على "التنظيف" والتثقيف، واستبدالها بما يصلح لنا؛ أخذا بما عندنا مع تطويره بما تقتضيه الحاجة...
فليست أدمغة بني الأصفر مختلفة عن أدمغتنا ولا عقولهم أفضل من عقولنا...
وإنما التقليد الأعمى هو الذي غطى على كثير من العقول العربية...
ومن أراد التحرر من ربقة التقليد؛ فليعرف أصوله وليتصالح معها؛ ولن تستقيم الفروع المنقطعة عن أصولها؛ فلن تثمر؛ ونحن هم الفروع.
فكيف بفروع اجتُثت من أصولها؛ وتعلقت متطفلة متذللة؛ بأصول لا تمت بصلة لأصولها.
ولا مفر للمثقف العربي؛ التي هذه حاله؛ من الذل والهوان؛ فهو أول ثمن يقبضه منه "المُثقِّف الغربي"؛ الذي لا يؤمن إلا بالماديَّات.
ك/د. أبو فهيمة عبد الرحمن عياد
أستاذ محاضر في اللسانيات وعلوم اللسان باللغة الفرنسية
متخصص في الألفاظ الإسلامية
https://t.me/Linguistiqueetislam