هل ترجمة القرآن الكريم تحريف له؟

بسم الله والحمد لله، وبعد؛
فقد سألني أحد أفاضل إخواني هذا السؤال:
جزاكم الله خيرا دكتور، هل يصحّ قول القائل أنّ ترجمة القرآن لغير العربية تعتبر نوعا من أنواع التحريف؟!
يقول -أحسن الله إليكم- باعتبار أنّ الله عزّ وجل تكلم به عربيا أي بما تقتضيه اللغة العربية فقط، وترجمته إلى غيرها سيأتي بمعاني جديدة على غير مراد الله شاء أم أبى!
بارك الله فيكم وجزاكم الله خيرا.

فأجبته بهذا الجواب، وأنشره هنا بعد زيادة يسيرة رجاء عموم الفائدة:
آمين، وخيرا جزاك الله أخي الحبيب.
أما عن سؤالك، فلا أظن عالما بالترجمة؛ مارسها بطريقة صحيحة؛ يقول مثل هذا الكلام. بل إنه كلام خطير؛ لأن معناه أن ترجمة القرآن محرمة؛ بما أنه يرى أنها تحريف!
ثم هل التحريف يكون من غير قصد أو بقصد وتخطيط؟
فإن المترجمين الذين عملوا على ادخال التحريف على ترجمات القرآن لإضلال القراء الأعاجم؛ من غير قارئي العربية؛ إنما فعلوا ذلك عن نية وقصد وسبق إصرار؛ ولقد كان لكل واحد منهم وسائل لذلك من خلال لغة الترجمة، بل بعضهم حرف حتى مواضع الآيات؛ فأعاد ترتيبها بالتقديم والتأخير؛ مقارنة بمواضعها الحقيقي في الكتاب؛ كما صنع المترجم الفرنسي المحرف ريجيس بلاشير...
ولو كان ذلك الكلام صحيحا؛ فلماذا طلب النبي صلى الله عليه وسلم من بعض أصحابه؛ كزيد بن ثابت وغيره رضي الله عنهم؛ أن يتعلموا العبرية والسريانية ليترجموا له كتب الي*هود؟
وكذلك رسائله التي كان يرسلها للملوك والأباطرة والأمراء؛ أمثال هرقل والنجاشي وكسرى والمقوقس وغير هؤلاء؛ فقد كان يرسل كتبه بالعربية، وكان يعلم أن من يرسل إليهم لا يقرؤونها بالعربية؛ وإنما تترجم لهم من تراجمتهم...
وزد على ذلك أن نسبة العرب المسلمين الذين يقرؤون القرآن قليلة جدا؛ مقارنة بمجموع المسلمين الذي يبلغ عددهم قرابة المليارين؛ ولعلها لا تتعدى 35٪؛ فأكثريتهم أعاجم لا يعرفون العربية؛ فكيف يفهمون القرآن ويعلمون ما جاء فيه ويهتدون به إن لم يقرؤوا تراجم القرآن؟!
ولاسيما كبار السن وأمثالهم من الذين لا قدرة لهم على تعلم العربية... فهل يصح؛ شرعا وعقلا؛ أن يترك غالبية المسلمين دون فهم لما في القرآن العظيم؟ فنقول أن الترجمة لا تجوز لأنها تحريف...
فالمشكلة ليست في الترجمة بذاتها؛ وإنما في منهج ومنهجية المترجم الذي يعتمد المنهج الحر لترجمة القرآن الكريم.
بل لو فرضنا تنرلا أن كلام ذلك المعترض صحيح؛ فحينذاك سنقول إذن أن تفسير القرآن أيضا تحريف؛ لأن التفاسير يقع أصحابها في الخطأ؛ فلا أحد معصوم من الزلل؛ فهل نلغي التفاسير أم نحذر من التفاسير التي فيها أخطاء وانحرافات؟
فكلام ذلك المشكك لا يصدر من إنسان عارف. والله المستعان.
وأضف إلى ذلك أن الله عز وجل نقل في القرآن كلام الأنبياء والرسل من غير العرب؛ كإبراهيم وموسى ويوسف ويعقوب؛ بل جلهم ليسوا عربا... بل ونقل الله جل وعلا حتى كلام الهدهد والنملة... فلقد كان كلام الرسل والأنبياء بغير العربية، وهذا فيه دليل على جواز ترجمة القرآن؛ لأن القرآن الكريم نفسه نقل كلام الأنبياء والرسل من لغاتهم إلى لغة القرآن العربي...
((قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)).

ک/د. أبو فهيمة عبد الرحمن عياد
أستاذ محاضر في علوم اللسان باللغة الفرنسية
متخصص في الألفاظ الإسلامية

https://t.me/scienceetpratique

https://t.me/Linguistiqueetislam

https://t.me/vrestethadith

Comments

Be the first to add a comment