حقيقة لغوية وترجمية
الترجمة الحرة للقرآن الكريم؛ إنما تستهوي أصحاب الذوق الشعري والأدبي؛ وأكثر المترجمين المنهمكين في المنهج الحر للترجمة يجمعهم ضعف القاعدة العلمية والعملية في اللغات؛ بمعنى أنهم لا باع لهم في معرفة بله ملامسة (بالعقل والتحليل والحدس اللغوي) القوانين والأطر البنيوية التي تقوم عليها اللغات.
وهنا تعلم البون الشاسع بين المترجم الشاعر أو الأديب والمترجم اللغوي.
والحق الذي لا مرية فيه؛ أن ترجمة القرآن العظيم بطريقة الترجمة الحرة لا تعدو أن تكون نصا محاكيا يحاول فيه المترجم الحر عبثا تقليد جمالية القرآن.
وهم لا يخفون ذلك؛ بل يتبجحون أنهم يسعون جاهدين للاقتراب من إعادة صياغة أساليب القرآن البلاغية في نص الترجمة...
وهذا بالضبط ما يجعلهم يحرفون معاني القرآن؛ جهلا أو عمدا.
وهذه طريقة النصارى والمستشرقين؛ ومنهم من حاول إدخال التحريف على ترجمة آياته؛ حتى قال شقيهم: "لم نستطع تحريف القرآن؛ فلنحرف تراجم القرآن"!
ثم سار على نهجهم" المترجمون الأحرار"؛ الذين جعلوا همهم مقابلة بلاغة القرآن العربي المبين ببلاغة اللغة التي يترجمونه إليها؛ كالفرنسية مثلا.
فانشغلوا بالبعد البياني على حساب بعد التفهم والدلالة والمعنى؛ الذي هو الغاية من إنزال الكتاب؛ فبه تتم هداية الخلق.
فالفهم عن الله سبحانه هو الذي يورث الهدى والاستقامة.
وكثيرا ما كنت أرد وأؤكد على بعض المشتغلين بالترجمة في محادثات ورسائل لي معهم:
"من أراد الاستمتاع بجماليات الأدب واللغة؛ فدونه كتب الشعر والقصائد والقصص؛ أما القرآن والترجمة الإسلامية عموما؛ فهذا ميدان الفهم والهداية؛ ولا يتم ذلك على أكمل وجه إلا بنقل المعاني الصحيحة إلى نص الترجمة."
فالترجمة في أصلها وجوهرها ما قامت إلا لأجل نقل فحوى الكلام؛ أما الرونق والجمالية؛ والتنميق والتزويق... فلها مجالات أخرى.
ومن علم سبب نشأة الترجمة الحرة؛ فهم ذلك جيدا؛ وقد تطرقت إلى ذلك في كتابات سابقة؛ بالفرنسية والعربية.
بل لقد قرأت لبعض مترجمي الفرنسيس الجهال؛ أنه زعم نقل "سيمفونية القرآن" إلى ترجمته... هكذا قال وبئس ما قال، وتعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
واعلم أيها القارئ الفاضل الحصيف؛ أن القاعدة التي لا محيد عنها؛ هي أنه "بقدر ما ينشغل المترجم بنقل جمالية النص؛ بقدر ما يبتعد عن نقل المعاني الصحيحة للكلمات والجمل".
فلن تجد مترجما حرا؛ إلا وهو يهمل نقل المعاني كما هي؛ لأنه يهتم بمحاكاة البنية البيانية؛ فما بالك بالقرآن المجيد؟!

ک/د. أبو فهيمة عبد الرحمن عياد
أستاذ محاضر في علوم اللسان باللغة الفرنسية
متخصص في الألفاظ الإسلامية

Comments

Be the first to add a comment