🌿وقال ابن تيمية -في منهاج السنة (5 /361)- مشيراً إلى هؤلاء: "فإن عندهم لم يخلق الله شيئا بسبب، بل يفعل عنده لا به.... فالشبع عندهم لا يكون بالأكل، ولا العلم الحاصل في القلب بالدليل... ولا الطاعات عندهم سبب للثواب، ولا المعاصي سبب للعقاب، فليس للنجاة وسيلة، بل محض الإرادة الواحدة يصدر عنها كل حادث، ويصدر مع الآخر مقترنا به اقترانا عاديا، لا أن أحدهما معلق بالآخر، أو سبب له، أو حكمة له، ولكن لأجل ما جرت به العادة من اقتران أحدهما بالآخر، يجعل أحدهما أمارة وعلما، ودليلا على الآخر، بمعنى أنه إذا وجد أحد المقترنين عادة كان الآخر موجودا معه...."
إلى أن قال: " ولا ريب أن هذا الأصل الفاسد مخالف للكتاب والسنة، وإجماع السلف وأئمة الدين، ومخالف لصريح المعقول، ومخالف للحس والمشاهدة".
🌿وقال كما في الفتاوى (8 /175): " وأما قولهم: محو الأسباب أن تكون أسبابا نقص في العقل، فهو كذلك، وهو طعن في الشرع أيضا... فإن الله يقول {وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات}، وقال تعالى: {وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها} وقال تعالى: {يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام} وقال تعالى: {يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا} وأمثال ذلك، فمن قال يفعل عندها لا بها فقد خالف لفظ القرآن، مع أن الحس والعقل يشهد أنها أسباب، ويعلم الفرق بين الجبهة وبين العين في اختصاص أحدهما بقوة ليست في الآخر، وبين الخبز والحصى في أن أحدهما يحصل به الغذاء دون الآخر".
🌿وقال ابن القيم -في المدارج (5 /3920)-: "وبالجملة: فليس إسقاط الأسباب من التوحيد، بل القيام بها واعتبارها وإنزالها في منازلها التي أنزلها الله فيها هو محض التوحيد والعبودية، والقول بإسقاط الأسباب هو توحيد القدرية الجبرية، أتباع جهم بن صفوان في الجبر، فإنه كان غاليا فيه، وعندهم أن الله لم يخلق شيئا بسبب، ولا جعل في الأسباب قوى وطبائع تؤثر، فليس في النار قوة الإحراق، ولا في السم قوة الإهلاك، ولا في الماء والخبز قوة الري والتغذية به، ولا في العين قوة الإبصار، ولا في الأذن والأنف قوة السمع والشم، بل الله سبحانه يحدث هذه الآثار عند ملاقاة هذه الأجسام، لا بها، فليس الشبع بالأكل، ولا الري بالشرب، ولا العلم بالاستدلال، ولا الانكسار بالكسر، ولا الإزهاق بالذبح، ولا الطاعات والتوحيد سببا لدخول الجنة والنجاة من النار، ولا الشرك والكفر والمعاصي سببا لدخول النار، بل يدخل هؤلاء الجنة بمحض مشيئته من غير سبب ولا حكمة أصلا، وهؤلاء النار بمحض مشيئته من غير سبب ولا حكمة أصلاً....
وطرد هذا المذهب: مفسد للدنيا والدين، بل لسائر أديان الرسل، ولهذا لما طرده قوم أسقطوا الأسباب الدنيوية وعطلوها، وجعلوا وجودها كعدمها، ولم يمكنهم ذلك، فإنهم لا بدّ أن يأكلوا ويشربوا، ويباشروا من الأسباب ما يدفع عنهم الحرّ والبرد والألم...
وقوم طردوه، فتركوا له الأسباب الأخروية، وقالوا: سبقُ العلم والحكم بالسعادة والشقاوة لا يتغير البتة، فسواء علينا الفعل والترك، فإن سبق العلم والحكم بالشقاوة فنحن أشقياء، عملنا أو لم نعمل، وإن سبقا بالسعادة فنحن سعداء، عملنا أو لم نعمل. ومنهم من يترك الدعاء جملة، بناء على هذا الأصل، ويقول: المدعو به إن سبق العلم والحكم بحصوله حصل، دعونا أو لم ندع، وإن سبقا بعدم حصوله لم يحصل وإن دعونا".
إلى أن قال: " وما سبق به علم الله وحكمه حق، وهو لا ينافي إثبات الأسباب، ولا يقتضي إسقاطها، فإنه سبحانه قد علم وحكم: أن كذا وكذا يحدث بسبب كذا وكذا، فسبقَ العلم والحكم بحصوله عن سببه، فإسقاط الأسباب خلاف موجب علمه وحكمه. فمن نظر إلى الحدوث بغير الأسباب: لم يكن نظره وشهوده مطابقا للحق، بل كان شهوده غيبةً، ونظره أعمى، فإذا كان علمه وحكمه قد سبقا بحدوث الأشياء بأسبابها، فكيف يشهد العبد الأمور بخلاف ما هي عليه في علمه وحكمه وخلقه وأمره؟".
🌿وفي منهاج السنة لابن تيمية (5 /367): "...فمن شهد أن الله تعالى خلق الولد لا من أبوين لسبق علمه وحكمه، فهذا شهوده عمى، بل يشهد أن الله - تبارك وتعالى - سبق علمه وحكمه بأن يخلق الولد من الأبوين، والأبوان سبب في وجوده، فكيف يجوز أن يقال: إنه سبق علمه وحكمه بحدوثه بلا سبب؟!. وإذا كان علمه وحكمه قد أثبت السبب، فكيف أشهد الأمور بخلاف ما هي عليه في علمه وحكمه؟".