تتكرر المشاهد في حياتنا وتحدث المواقف بين الحين والآخر وتتغير الأفكار مع مضي الأزمان وهي سنة الحياة ، إلا أن هناك مشهداً كلما يمر أمامي قدَراً تنقبض علي نفسي وسيطر الحزن على صدري.
مشهد لم أكن أتصوره يحدث في يوم من الأيام.. مشهد يعيد الذاكرة إلى الوراء ويجعل العظة والعبرة حاضرة أمامك.. مشهد يتكرر بشكل هائل لا سيما في هذا الزمن الغريب الذي كثر فيه الغرباء.
أتدري ما هو هذا المشهد؟؟ إنه مشهد *انتكاسة الصالحين*
التقيته قبل أيام.. ذلك الرجل القدوة الإيماني الذي إذا تكلم بالموعظة بكى وإذا اختلى في الرحلات يصلي الليل ويلهج بالدعاء. رأيته وقد تغير حاله وانطفأ نور وجهه.. بدا رجلاً كحال بقية الناس.. لا هم له سوى التسكع بالأسواق والسهر في الديوانيات والسينمات رغم محبته لأهل الطاعة والصالحين ووصفه لأيام تنشئته معهم بأيام *الانغلاق والتشدد وعدم الانفتاح*، بل بدأ يتهم الصحوة التي كانت سبباً له بعد الله في حفظه للقرآن أنها حرمته من أشياء كثيرة! وكأنه بدا لي مفتون بعلمانية الغرب وتنحية الدين وحرية التواصل بين المرأة والرجل!
يا الله
تذكرت حينها خواطره ودروسه عن الثبات والصدع بالحق وعلو الهمة.. ما الذي تغير يا صاحبي؟؟
يتكرر السؤال في بالي دائماً : *لماذا ينتكس الصالحون؟* هل الزمن تغير؟؟ لا أظن لأن الزمن هو مضي وقت وتغير تاريخ لا علاقة له بالمبادئ والصلاح.
هل الخلطة مع الناس تُغير؟ لا أظن إذا كان الداعية والرجل صالح يهدف من خلال الخلطة إلى الدعوة الله وتوجيه الناس للخير.
هل التكنولوجيا وشبكات التواصل غيرت هؤلاء الصالحين؟؟ لا أظن أيضا.. لأن التكنولوجيا والشبكات وسيلة يمكن تركها في أي لحظة والاستغناء عنها.
عرفت الإجابة لهذا السؤال المتكرر.. والذي قد مرت علي وعليك أخي الحبيب مثل هذه المشاهد من القدوات المنتكسين
الإجابة عند ابن القيم رحمه الله يقول : *" أجمع العارفون بالله بأن ذنوب الخلوات هي أصل الانتكاسات، وأن عبادات الخفاء هي أعظم أسباب الثبات"*
نعم إنها الذنوب والبعد عن الله تعالى.. لا أبالغ إن قلت أن البعد عن الله هو أصل الانتكاسات والابتعاد عن الهداية.
بل إن ذنباً واحداً كفيل بكسر ظهر المرء فيرديه قتيلاً، كما قال ابن القيم :" الذنوب جراحات، ورب جرح وقع في مقتل! "
إننا بأمس الحاجة إلى زاد الإيمان والتقوى أكثر من زاد المطاعم والكافيهات الذي نتداعى كل ليلة للالتقاء فيها "وتزودوا فإن خير الزاد التقوى"
نحن بحاجة أن نجدد التوبة والرجوع إلى الله " وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون"
في زمن القيل والقال والحرب على الدعاة والمصلحين والخوض مع الخائضين احذر من الأعداء الذين يوردوك المهالك، كما يقول ابن القيم : " احترز من عدوين هلك بهما أكثر الخلق : صاد عن سبيل الله بشبهاته وزخرف قوله، ومفتون بدنياه ورئاسته! "
نعم الصبر على الطاعة وطريق النجاة في وسط طرق الضلال والفتن شاق ومتعب لكن النهاية سلام ٌ من الرحمن " سلامٌ عليكم بما *صبرتم* فنعم عقبى الدار".
ختاما : " ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب "