لِيَنْظُرْ كُلٌ مِنّا إلى بدايته ونهايته . حين اتّخذ السُلطان محمود من "إياز" غلاماً اختصّه لنفسه، قصصٌ تروى عن العلاقة الخاصّة التي كانت تربط بينهما، فقد قرّبه إليه، وأقامه حارساً شخصيّاً له، وأحال إليه أعماله كافّة.
أوغر هذا الأمر صدور الأعداء والحُسّاد، فكيف بغلامٍ يُصبح على هذا القدر من القُرب من السُلطان؟! فراحوا يكيدون له ويسعون به.
نقلوا إلى السلطان يوماً خبراً يُفيد أنّ "إيازاً" قام بسرقة خزانة السُلطان ومقتنياته، وأخفاها في حُجرة معيّنة، أقفل بابها، ومَنَعَ أيّاً كان من الدنوّ منها.
كما اعتاد أن يلج هذه الحُجرة وحيداً بين وقتٍ وآخر، ليُخفي فيها ما سرقه، ثم يُغادرها بعد أنْ يُحكم إغلاقها، فهو يرمي إلى إفراغ خزائن السُلطان من محتوياتها!! وهذا ما صوّره لهم خيالهم.
لم يُصدّق السلطان روايتهم، لكنّه -كي يضعُ حدّاً لشكوكهم- أمَرَ رجاله بكسر باب الحُجرة، وإحضار ما يعثرون عليه فيها.
ولمّا دخلوا الحُجرة لم يعثروا فيها على شيء، الّلهمّ سوى لباسٍ وحذاءٍ قديمين، وجُبّة مستعملة من الصوف، فأحضروا حفّاراً ونبشوا أرض الحُجرة، لكنّهم لم يعثروا على شيء.
أخبروا السُلطان بما جرى، فأمر بإحضار "إياز"، وقال له:
كيف تُخصّص حُجرة من أجل لباسٍ وحذاءٍ قديمين، ثم تُقفل بابها، وتضعُ نفسَك موضع اتّهام؟! هل ترمي إلى جعل نفسِكَ مورداً لسوء الظنّ؟!
قال "إياز": سأخبرك حقيقة الأمر أيّها السُلطان، فأنا في البداية لم أكن سوى قالعٍ للأشواك والأعشاب لا أكثر، وقد بلغتُ الآن مرتبةً جَعَلَتْ منّي وزيراً للسُلطان، فلكي لا أنسى بدايتي، وضعتُ لباسَ قلعِ الأشواك في هذه الحُجرة، وأنا أدخلها كلّ يومٍ كي احتفظ بذكرى بدايتي، وأقولُ لنفسي:
احذَرْ يا "إياز"، فأنتَ لم تكن سوى قالعٍ للأشواك، وهذا لباسك شاهدٌ عليك، وعليك إذ ترتدي الآن ثياب الجاه والعزّ أنْ لا تنسى بدايتك، فلا يأخذك الغرور، فيدفعك إلى التجاوز والخيانة..
وتنتهي القصة إلى أنّ السُلطان سُرَّ كثيراً، وزادَ في تقريبه إليه.
هذه القصة هي لكلّ فردٍ منّا، {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5)} (الطارق)، لِيَنْظُرْ كُلٌ مِنّا إلى بدايته إذ لم يكن سوى تلك القطرة النتنة ({خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6)})، وليذكر آخرته أيضاً، ليكن قبرَه ماثلاً أمامه، فإلى جيفة ستكونُ نهايته!! . 📓 من كتاب "الأخلاق الإسلامية" للسيّد عبد الحسين دستغيب رضوان الله تعالى عليه صفحة 22 وما بعدها