هل صارَ العلاجُ وصمةً جديدةً؟

(( في هذه المقالة، سأتحدَّثُ بإذنِ اللهِ تعالى عن كيفَ صارَ هنالكَ وصمةٌ لم يُقصَد تصديرُها على مدارسِ علمِ النفسِ الناشئةِ في الغرب)).

ضمنَ دورةٍ حضاريَّةٍ جديدةٍ برزت جهودُ العاملينَ في التأصيلِ الشرعيِّ للمعارفِ والعلومِ المختلفة، وقد كان من نصيبِ علمِ النفسِ وتطبيقاتِه أن ظهرَ روّادٌ يتصدَّرونَ مشهدَ التأصيلِ الشرعيِّ لهذا المبحثِ العلميّ. ولكن في كلِّ مسارٍ جديدٍ قد تبرزُ مشكلاتٌ نحتاجُ لرصدِها من بابِ تصحيحِ المسار، وتعديلِ المسير، وضبطِ المنهجِ المتَّبعِ ليكونَ على أصولٍ علميَّةٍ معتبرةٍ.

من وصمِ الحالةِ المرضيَّةِ إلى وصمِ الطُّرُقِ العلاجيَّة:

من حيثُ أرادَ الكثيرُ من روّادِ (علمِ النفسِ الإسلاميِّ) توسيعَ حدودِ هذا المبحثِ العلميِّ ليتَّسعَ لمدرسةٍ نَفسانِيَّةٍ جديدةٍ تعتبرُ الوحيَ، وتستقي من خبرِ الغيب، وتُعيدُ الإنسانَ لمركزيَّةِ العبوديَّةِ ودائرةِ المخلوقيَّة، فقد تمَّ نقدُ المدارسِ والمناهجِ النَّفسانِيَّةِ المنتَجةِ على الأسسِ العلميَّةِ الوضعيَّة، أو التابعةِ لأصولٍ فلسفيَّةٍ، وتميلُ في مضمونِها وتوجُّهِها إلى العَلمانيَّةِ المجرَّدة.

ولعلَّ الخطرَ الحقيقيَّ هنا كان في أن خرجت أعمالُ الروّادِ من أروقةِ المجتمعِ العلميِّ مُبكِّراً، إلى فضاءِ الغطاءِ المعلوماتيِّ الإلكترونيّ، فكثرتِ المصوَّراتُ ضمنَ تطبيقاتِ البودكاست واليوتيوب وغيرها من وسائلِ النَّقلِ والتَّواصُلِ الاجتماعيّ. وصارت إشكاليَّةُ ذلك كبيرةً على المستمعينَ عموماً، فإنَّه في غيابِ المقدِّماتِ اللازمةِ لآلةِ العلمِ والبحثِ العلميِّ لدى المستمعِ العاديّ، فقد كان ما فهمه الناسُ ضمناً هو أنَّه (لا يجوزُ الأخذُ بالعلمِ الغربيِّ)، وهذا ما وضعَ في أذهانِ المستمعينَ افتراضاتٍ بأنَّ علمَ النفسِ الغربيَّ – كما صارَ يُسمَّى – آثمٌ أو وضيعٌ في أحسنِ أحوالِه، فانتشرت هذه الوصمة كالنارِ في الهشيمِ في المجتمعِ المسلم.
ولذلك اقتضى الأمرُ الوقوفَ والتنبيهَ على عدَّةِ قضايا في هذا السِّياق، أهمُّها:
1. نعم، إنَّ علمَ النفسِ المستورَدَ من الغربِ، كغيرِه من العلوم، فيه إشكالاتٌ لطبيعةِ البحثِ والباحثينَ ووسطِ البحث، خصوصاً لما لعلمِ النفسِ من خصوصيَّاتٍ كبرى في الفروقِ الثقافيَّة، التي تجعلُ منه أكثرَ العلومِ تأثُّراً بالفروقِ البيئيَّةِ والثقافيَّة. وإشكاليَّةُ ذلك كان يمكنُ أن تكونَ أقلَّ ما يمكنُ في حالِ وعيِ مدرِّسي وباحثي الأقسامِ الأكاديميَّةِ بضرورةِ التنبُّهِ للتكييفِ الثقافيِّ والبيئيِّ لما فيه من فروقاتٍ كبيرة.

2. ورغم أنَّنا لسنواتٍ لم نكن نملكُ إلا تطبيقاتِ المدارسِ النَّفسانِيَّةِ الغربيَّة، لكن العاملينَ في ميدانِ تقديمِ الخدماتِ النفسيَّة استطاعوا إيجادَ صيغةٍ تطبيقيَّةٍ متوازنةٍ، ولعقودٍ كان النجاحُ في علاجِ الكثيرِ من المراجعينَ حليفَ مقدِّمي الخدماتِ المحترفين. فلا أحدَ يستطيعُ أن يُنكرَ أنَّ العلاجاتِ الواردةَ من الغربِ كانت نافعةً إلى حدٍّ جيِّد، بالرغمِ من أنَّها لم تُغطِّ كلَّ المساحاتِ اللازمةِ لكفاءةِ تقديمِ العلاجِ بأعلى المعايير، لكنها كانت تكفي إلى حدٍّ مساعدةِ الناسِ في العودةِ إلى الوظيفيَّةِ في حياتِهم.

3. ولسنواتٍ عملَ مقدِّمو الخدماتِ النفسيَّة على رأبِ الفجوةِ ما استطاعوا للتطبيقاتِ عبرَ الثقافات، وكانت قضيَّةُ الوصمةِ في العلاجِ النفسيِّ قضيَّةً مركزيَّةً كبرى، فقد كان العزوفُ عن العلاجِ بسببِ وصمةِ المرضِ كبيرةً. لكن ما حدث أنَّه ومن حيثُ لا يدري المنظِّرونَ لعلمِ النفسِ الإسلاميِّ بدأت تظهرُ (الوصمةُ على الطُّرُقِ العلاجيَّة)، وهذا ما يدعو إلى التنبُّه من قبلِ روّادِ علمِ النفسِ الإسلاميِّ، حتى لا يتمَّ نقلُ المجتمعِ من وصمةِ المرضِ إلى وصمةِ العلاج، بأن يصبحَ العلاجُ المتاحُ ذو وصمةٍ، وهذا صرنا نسمعُه فعلاً من طالبي خدماتِ العلاجِ وهم يقولون إنَّه علاجٌ إلحاديٌّ، أو أنَّه لا يجوزُ التداوي به شرعاً، أو غيرُ مفيدٍ – وهذا ليس بالضرورةِ ما قاله روّادُ علمِ النفسِ الإسلاميِّ، لكنه ما تبادَرَ إلى أذهانِ المستمعينَ – فأنت تستطيعُ أن تتكلَّم، لكنك لا تستطيعُ أن تزرعَ الكلماتِ الصحيحةَ والمعنى القويمَ في أذهانِ المستمعينَ بالضرورة.

علماً أنَّ العلاجَ المؤصَّلَ شرعاً، والذي ندعو إليه وما زال تحتَ مظلَّاتِ عملٍ مختلفةٍ، سيحتاجُ إلى مخاضٍ علميٍّ طويل، ولعلَّ ذلك يُثمِرُ قريباً في خروجِ مدارسَ نَفسانِيَّةٍ شرعيَّةٍ علميَّةٍ بإذنِ اللهِ تعالى، لكن بيننا وبين هذه اللحظةِ عشرةُ أعوامٍ منذُ الآن على الأقلّ، وهذا ما سأورده في المقالةِ القادمةِ التي أتتبَّعُ فيها مسارَ العملِ والعاملينَ في مجالِ علمِ النفسِ الإسلاميِّ بإذنِ اللهِ تعالى.
يتبع...

✍️د.#يوسف_مسلم | استشاريّ العلاجِ النفسيّ
مركز كلمة للعلومِ السلوكيَّةِ المعرفيَّة

Comments

Be the first to add a comment