تنبيه علمي لساني حول كلمة (الفتوحات الإسلامية) بالفرنسية: « Les conquêtes islamiques » فوددت أن أدون ملاحظة حول "أغلوطة لغوية ترجمية" شاعت وذاعت من زمن بعيد؛ وهو ترجمة المصطلح الإسلامي (الفتوحات الإسلامية) إلى الفرنسية بلفظ «Les conquêtes islamiques»؛ فالموضوع في الحقيقة فيه تلاعب بمعنى وفحوى هذا اللفظ الإسلامي النبيل؛ وذلك بجعله مقابلا لتلك الكلمة الفرنسية الجائرة. فلا يشك من له أدنى حدس لغوي باللغتين العربية والفرنسية أن هذه اللفظة ليست بريئة. ف"الفتح في اللغة: نقيض الإغلاق، ويقصد به هنا افتتاح دار الحرب ودخول دار العدو، كما يأتي الفتح بمعنى: النصر والغلبة، وقد وردت لفظة الفتح في العديد من الآيات القرآنية، ومنها قوله تعالى: ( إنا فتحنا لك فتحاً مبينا )، ولا يقتصر مفهوم الفتح على الانتصار العسكري فحسب، بل يتعداه إلى الانتصار في مختلف الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والتي سببت مجتمعة دخول الأقوام في البلاد المفتوحة عسكرياً في دين الإسلام بقناعة ورضا، مما يسبب انتصار عقيدة التوحيد على الشرك في تلك البلدان؛ فكلمة الفتوح بهذا المفهوم الشامل تعني: ما قام به المسلمون من جهاد وفتح للبلدان وتمهيد لدعوة الله وتبليغ دين الإسلام إلى خلق الله وتحطيم قوى الشر التي كانت تمنع المسلمين والناس من ذلك في البلاد المختلفة. ابتداء من أيام الرسول صلى الله عليه وسلم ومن تلاه من الخلفاء الراشدين، مروراً بالعصور الإسلامية المختلفة كالعصر الأموي، والعباسي، وأيام الأيوبيين والمماليك، والعثمانيين، وغيرهم من الدول الإسلامية التي عاصرتهم أو تلتهم..." (مقرر انتشار الإسلام "الفتوحات الإسلامية"، د. إيمان العصيمي، جامعة أم القرى). وكان الخلفاء والملوك والزعماء المسلمون هم من يتولون الفتوحات ويولونها رعاية كبيرة سياسيا وعسكريا. فمصطلح الفتح الإسلامي يعني بشكل واضح: فتح البلدان بإدخال الإسلام إليها وإرساء تعاليمه فيها وبين أهلها؛ ومن أبرزها الدعوة إلى توحيد الله وعبادته وحده، وإرساء العدل والمساواة بين جميع الناس؛ مهما اختلفت أعراقهم، وألوانهم، وألسنتهم؛ إذ أن الأصل المقرر والمعمول به؛ هو "لا فرق بين عربي وعجمي إلا بالتقوى". بينما لفظة فرنسا الاستعمارية؛ التي تفننت وأبدعت في تلك المصطلحات الاحتلالية، التوسعية والحربية الاستعمارية...؛ فهذه اللفظة (conquête) كما سجلها معجمهم "كنز اللغة الفرنسية (TLF)" وهو مرجع علمي ضخم كبير عندهم:"
« Action de conquérir ; résultat de cette action. [Conquérir] : Se rendre maître par les armes. En général : S'assurer la possession de quelque chose, étendre son emprise sur quelque chose. » يعني؛ حرفيا: السيادة باستعمال الأسلحة. وبصفة عامة: ضمان الحيازة على شيء، وتوسيع السيطرة على شيء ما. فهذه المعاني لا يشك فيها عاقل أنه اختزال مجحف للفظ "الفتح الإسلامي"؛ بل هو تشويه له؛ وهو مقصود؛ وذلك بالنظر إلى الجذور اللغوية التاريخية لهذه الترجمة الاصطلاحية، وما تخللها من ظروف وأسباب لجعل تلك اللفظة الإفرنجية قسيمة، زعموا، لمصطلح الإسلام: الفتوحات. وعلى كل حال؛ فإن المصطلحات الإسلامية في اللغة الفرنسية تتعرض في العادة لمثل هذه التشويهات؛ بل هي بمثابة القاعدة عندهم؛ فوجب على اللغويين المسلمين الغيورين على دينهم وأمتهم أن يكونوا هم صناع مصطلحات دينهم ولغتهم في اللغات الأجنبية. فالحاصل؛ أن كلمة (conquête)؛ هي مرادف تقريبي (pré-synonyme) لكلمة الغزوة. ومن أهم الفروق بين (الفتح) و(الغزو) بالمعنى الإفرنجي كما تبين أعلاه: أن الغزو المقصود منه الدنيا، والغلبة لأجل السطو والسيطرة بالسلاح والحيازة على خيرات البلد المغزو، إلخ؛ عكس الفتح؛ والذي رأينا معناه فيما تقدم؛ وهو القائم على معاني نشر التوحيد للخالق والرحمة والعدل. وأما عن البديل؛ فالذي توجهت إليه شخصيا ودرجت على استعماله في كتاباتي وتراجمي هو لفظ (Les Ouvertures)؛ هكذا بحرف (O) كبير؛ وهي ترجمة حرفية علمية؛ تستند إلى معطيات وقواعد علوم اللسان؛ وليس هنا موضع بسطها. وكتب/ أخوكم: د. أبو فهيمة عبد الرحمن عياد أستاذ محاضر في علوم اللسان – باللغة الفرنسية – متخصص في المصطلحات الإسلامية في الفرنسية