عَرَض لابن تيمية بعضُ الألم، فقال له الطبيب: "أضرّ ما عليك الكلام في العلم والفكر فيه، والتوجّه والذكر. فقال ابن تيمية: ألستم تزعمون أن النفس إذا قويتْ وفرحتْ أوجب فرحها لها قوةٌ تُعين بها الطبيعة على دفع المعارض، فإنه عدوها، فإذا قويتْ عليه قهرتُه. فقال له الطبيب: بلى. فقال: إذا اشتغلتْ نفسي بالتوجّه والذكر والكلام في العلم، وظفرتْ بما يشكل عليها منه، فرحتُ به وقويتُ، فأوجب ذلك دفع المعارض" (المستدرك على مجموع الفتاوى [3/139]) وشيخ الإسلام ابن تيمية وإن لم يبسِّط الكلام في الطبّ ومسائله حسب اطّلاعي كما فعل تلميذاه: ابن القيم في (الهدي)، وابن مفلح في (الآداب الشرعية)؛ لكنه حرّر مَعالِم مهمة وقواعد منهجية جليلة في ذلك العلم، كما في السطور التالية: - لا يخفى أن ابن تيمية صاحب اطّلاعٍ واسع على جميع المعارف، واستقراء وتتبّع عجيب لأنواع الفنون، حتى قالوا عنه: "كأنّ العلوم بين عينيه"، وقد قرّر في غير موطن أن مصادر المعارف والعلوم تُنال بثلاثة أمور: "الحسّ والعقل والوحي، فالعلم قد يكون تارةً عن طريق الحسّ وهو الفطرة والبصر والمشاهدة، وهذا يشترك فيه جميع الناس، وقد يكون تارةً عن طريق العقل وهو النظر والقياس، وهذا يختص بأهل العلم والاستدلال، وأشرف وأخصّ من هذا وذاك: الوحي المنزل من عند الله على نبيه صلى الله عليه وسلم وهو السمع والخبر، قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشاءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى من الآية:52]" (ينظر: التدمرية ص [500]، الجواب الصحيح [2/4]، جامع المسائل [5/193]، الفتاوى [13/75]). وقد بيّن ابن تيمية أن الطب تجربات وقياسات، فقال: "الطب تجربات وقياسات، وأهله منهم من تغلُب عليه التجربة، ومنهم من يغلُب عليه القياس، والقياس أصله التجربة، والتجربة لا بد فيها من قياس، فلا بد من الحسّيات التي هي الأصل ليعتبر بها، والحسّ إن لم يكن مع صاحبه عقل وإلا فقد يغلط" (الفرقان بين الحق والبطلان، ت: العصلاني، ص [349] باختصار). يُلحظ ابتداءً أن ابن تيمية لا تأسِره كلمة، ولا يقيده مصطلح، فمثلًا: الحسّ يُسمِّيه في مواطنَ أخرى تجارب وفطرة وبصرًا، كما أن العقل يُسمّيه النظر والتجربة والاعتبار، وهذا يكشف سعة عقل هذا الإمام الفذ ورحابة أفقه. وقد قال رحمه الله: "إذا اتسعت العقول وتصوراتها اتسعت عباراتها، وإذا ضاقت العقول والتصورات بقي صاحبها كأنه أسير العقل واللسان" (الردّ على المنطقيين ص [166]). وأما بيان مقالته المتينة عن الطب، فإن الطب عنده مدارس، فمدرسة تغلّب الحسّ والمشاهدة والتجربة، ومدرسة تغلّب النظر والقياس، وكذا العكس، فأحدهما يُكمِل الآخر، فقوله: "القياس أصله التجربة" يعني: أن التجارب والبدهيات والحسّ هي أصل القياس والنظريات والعقل، فالتجربة أصل في علمنا بصحة القياس (ينظر: الدرء [1/87]). وأشار في موطنٍ آخر إلى أن التجارب: "قد تحصل بالنظر والاعتبار والتدبّر، وقد تحصل بالحسّ والمشاهدة، فهي معقولات محسوسات" (ينظر: الرد على المنطقيين ص [29]، [93]، [98]). - مع أن الطبّ من العلوم العقلية الحسّية، إلا أن شيخ الإسلام يقرر أن أهل الملل أكمل من غيرهم في هذا العلم وشبهه كالصناعة والتجارة، ثم إن أهل الإسلام هم أكمل وأعلم من أهل الكتاب في الطب ونحوه، ويعلل ذلك قائلًا: "فإن علوم المتفاسفة من علوم المنطق والطبيعة والهيئة (علم الهيئة: علم الفلك)، وعلوم فارس والروم، لما صارت إلى المسلمين هذّبوها ونقّحوها لكمال عقولهم، وحسن ألسنتهم، وكان كلامهم فيها أتمّ وأجمع وأبين، وهذا يعرفه كل عاقل وفاضل" (الفتاوى [210-211 /4]). ولما تحدّث عن فضل أمة محمد صلى الله عليه وسلم كان مما قاله: "فأما العلوم فهم أحذق في جميع العلوم من جميع الأمم، حتى العلوم التي ليست بنبوية ولا أخروية، كعلم الطبّ مثلًا، والحساب، ونحو ذلك، هم أحذق فيها من الأمتين -اليهود والنصارى-، ومصنفاتهم فيها أكمل من مصنفات الأمتين، بل هم أحسن علمًا وبيانًا لها من الأوائل"(لعل مراده بالأوائل: أطباء اليونان كبقراط وجالينوس) الذين كانت هي غاية علمهم. "وقد يكون الحاذق فيها من هو عند المسلمين منبوذ بنفاق وإلحاد" (وكأنه يُشير إلى أمثال ابن سينا صاحب (القانون) وأبي بكر الرازي صاحب (الحاوي) في الطب، ينظر: الفتاوى [4/114])، "ولا قدر له عندهم، لكن يحصل له بما يعلمه من المسلمين من العقل والبيان ما أعانه على الحذق في تلك العلوم، فصار حثالة المسلمين أحسن معرفة وبياناً لهذه العلوم من أولئك المتقدمين" (الجواب الصحيح [105/4-106]).