سيدة اللغات بلا منازعة علق لي أحد إخواننا على منشور لي عن فخامة اللغة العربية؛ فوضع صورة منشور تم من خلاله المقارنة بين اللغة العربية واللغة الإنجليزية من حيث المتانة والقوة والفصاحة؛ فأخذوا كمثال للمقارنة عبارة ((أَنُلْزِمُكُمُوهَا)) التي وردت في سورة هود، ثم نظروا في ترجمتها إلى لإنجليزية؛ فوجدوا أن الانجليزية تتطلب استعمال سبع كلمات (Shall we then compel you to accept it)... فراودتني فكرة القيام بنفس المقارنة في اللغة الفرنسية، فحصلتُ على ما يلي: تحتوي الترجمة بالفرنسية على سبع كلمات أيضا أو ''مورفات'' (7 morphs)، هي: Allons-nous vous l'imposer وتحليلها كالآتي: فعل aller وتصريفه للجمع المتكلم وعلامته ons- وضمير المتكلم للجمع nous؛ ويمثله في العربية نون العظمة اللائق بجلال الله جل وعلا وضمير المخاطَب (بفتح الطاء): vous وحرف لام التعريف الدال على الهداية؛ موضوع الإلزام في الآية؛ والمعبر عنه بالفاصلة العلوية: l'apostraphe (') وفعل ألزم: imposer المشتق من impos وعلامة المصدر: marque de l'infinitif = er. فهذا مثال بسيط لإدراك هشاشة البنية التركيبية والقدرة التعبيرية للغة الفرنسية حذاء السيدة العريقة: العربية. حيث أنه؛ من خلال هذا المثال؛ نلاحظ عبقرية العربية على الايجاز والدقة؛ مع ترابط أجزاء الكلِم وتلاصقها جزءا بجزء؛ مكونة بذلك جملة كاملة في لفظة واحدة؛ وهو فعل استفهامي انكاري! هذا وأرباب الفرنسية المتعجرفون لا يخجلون من وصفها بألمع الأوصاف؛ من مثل قولهم أنها "لغة الصائغ" (langue de l'orfèvre)، يقصدون بذلك أنها في غاية الدقة والجمال والشاعرية...! فكأنما صاغها صانع مجوهرات خريت؛ فأتقن صنعها...! ومن نافلة القول، فأريد أن أسجل هنا شهادة: فاللغة الفرنسية؛ لغة إيديولوجية بامتياز؛ بمعنى أن مبادئ وقيم الشعب الفرنسي، ولا سيما نخبتهم من رجال الأدب والفكر والسياسة والإعلام، تنتقل - تلك المبادئ والقيم - بمسارب دقيقة وخفية إلى من يتعلم هذه اللغة. فمنهم من ينصهر فيها لأسباب معروفة، وهذه حال أكثرية مستعمليها في يومياتهم، وكلٌّ بحسبه، ومنهم من يتمكن من فصل اللغة عن خلفياتها الإيديولوجية والثقافية الخطيرة؛ بفضل بعض الوسائل؛ أهمها: التفقه في الدين؛ "ومن يرد الله به خيرا؛ يفقهه في الدين" كما صح بذلك الحديث. ولهذا؛ فلا يُستغرب أن علية القوم في فرنسا العجوز؛ جعلوا لغتهم أحد أعظم أسباب الحفاظ على هويتهم وتجسيد ثقافتهم وزرعهما في الأمم: اللغة والثقافة معا؛ فهما زيادة على ذلك وجه صريح من أوجه اثبات الانتماء إلى الأمة الفرنسية؛ كما يقول صناع القرار في باريس.
ک/د. أبو فهيمة عبد الرحمن عياد أستاذ محاضر في علوم اللسان باللغة الفرنسية متخصص في الألفاظ الإسلامية