📖 رَمـضان في صُحبةِ الأسماءِ الحُسنى

🌙 الَّليلةُ الثَامنـة

- الحَـيّ القَـيّوم ..

الليلةَ ؛ سنَفترشُ النّعيم .. فمَوعدنا مع اسمٍ؛ هو (فاتحةُ الغَـيث)!

اسـمٌ..
فَـوق أنْ تُـدركه الأكوان؛ لاشتماله على جَميع الصفات!

اسمٌ..
يورق معـه الأمَـل؛ والإجابة لا تنضَـب!

فكُـن في الدعـاء يقين الاسم..
حينها؛ ينتهي غبَش الحياة، وتبلُغ المَـرفأ!

قال تلميذ:
ما يَقيـن الاسم؟

قال الشيخ:
إنّ القلوب إذا صفَتْ رأتْ.. كما قال عُمَـر..
يا ولدي (جَـرِّد النَفْـس من رَغائبها؛ يَصْفُ لها غَيْـبها)!

أمـا بلغكَ قول حارثـةَ إذ قال:
كأنـّي أرى عَـرش ربي بارزاً!

كَـان الشيخ وهو يتكلّم؛ كأنـّه يَـرى..
وكانَ إيماننا بِجانبه؛ ضَـريراً مُقعداً!

كَـان صوته يَعبُـر إلينا..
فيَـهزّ جـِذع الطـِّين فينا!

رفَـع صوته قائلاً:
كُـل الحُضور فناءٌ دون الحـَيّ القيـّوم..
فهو بـدؤكَ والخـِتام.

نحـن لا نُعطي أعمارنـَا مَزيداً من الأيام..
لكنـّنا بالله الحَـيّ؛ نعطيها مَزيداً من مَـدد الحياة.



تلك حياةٌ مُزدحمة بالبَـقاء..
فسابـِق الأعمارَ وقُـل:
يَـا حَــيّ!

انظُـر إلى ابن تَيمية، وابن القيـّم، وماَلـك، والشَـافعي، والبُـخاري، وسواهـم..
مَن طَـوى أكفانهم؛ وسكبَ في أعمارهم ما لا يَنطفـئ؟!
أليسَ هُو الحَـيّ؟

يَـا ولَـدي..
إنّما الحَـيُّ هناك مَـن كـان حيًّـا بالله هُنا..
ومَـن جعلَ الحـيَّ مَنبع وجـوده؛ دامَـت له الحيـاة!

نحنُ غروبُ البقاء، ومَعنى الرّثاء دون الحَـيّ..
فإذا أربَكك الفَناء؛ فقُـل:
يـَا حـَيّ!

مَـا مَـاتَ يا ولَـدي من اتصَّل!

قال تلميذ:
وما معنى القَـيـّوم؟

قال الشَيخ:
كُـل قيامٍ بالله؛ هُو هَـرولة..
كُـل قيامٍ بالله يعني؛ طَـي المسافـَات.

هُـو مَـن قامت به السَماوات والأرض.. ألا يقومُ به شَأنك؟!

فإذا تَسوّرتْ الصّعاب أسوارَ عُـمرك؛ قُـل:
يـا حـَيّ يَـا قيـّوم..
دبـّر لـي مَخرجًا!

رُبّ تدبيرٍ يُـساق إليك بالدعاء؛ خيْـرٌ مـِن ألفِ تَخطيط.

(والمَعرفة تُوجِب السّكينة)!

قل: يـا حي قيـّوم..
أرْهَقنا أُفول الأُمنيات..
يامن قامَـت بـك الأرض والسَـماوات!

هل تأملتم مـا دلالة هذه الأسماء؟
ألا تَـراها تقتلعُ خَـوفك، وتوقِف نزيف يأسَك، وتقـول لـك:
ربـُّك مَن قامت به السماوات.. فاسأله أمرك!

وصـّى بها ابن تَيميةَ فقال:
فإذا ناجَـى العبدُ ربـّه في السّحَر واستغاثَ بـه وقال:
يـا حَـيّ يـا قَيـوم..
لا إله إلا أنتَ برحمتك أستغيث؛ أعطـَاه اللهُ من التّمكين ما لا يَعلمه إلا الله!

وعلم تلميذه ابن القيم قائلاً: مَـن واظَـب على: (يا حـَيّ يا قيـّوم لا إله إلا أنت) كُـل يوم..
أحيا الله بها قلبه!

يا بني..
إنما توقَـد نَار القَلق في ديـار المنُقطعـين عنه..
اخـرُج مـن عَـتمة المَـوت؛ وقُـل:
يَـا حَــيّ!

أغلـِقْ بوابات الاغتراب عَـن الله؛ وقُـل:
يـا حَـيُّ يـا قيـّوم..
أصلـِح لي شَـأني!



قال التلميذ:
يَـرتَـديني والله عَـدم عجيب..
كـأنّ خُيوطه يأسٌ، وكـأنّ رُوحـي يبَـاس في يبَـاس!

قال الشيخ: لَـقِّـنْ كُـل يَـباسٍ فيكَ؛ يـَا حَـيّ يـَا قيّـوم.

يا ولدي.. مـِن يقينِ الوِرْد؛ يُوقَـد لَـك غَيـاث المُسَتغيـثين.

كُـل ذَبولٍ مُهيَّأٌ للانطفاء؛ أوقـِده بالدُعـاء..
أوقـِده بـ: يـا حـَيّ يا قيوم!

اظـفَر بإرث نبـِيّك كامـِلاً؛ وَقـُل مثله:
يـا حَـيّ يـا قيـَّوم برحمَـتك أستَـغيث!

لَـمْ يغفُ ليلَـه؛ حتَـى مـَرّ به غَيْـب الوَعـد، ورأى مَصارع القَـوم تَـلوح بين يديـه!

سقَـط الرّداء عَـن كَـتفيه..
فما جثَـا عَـن رُكبتـيه..
وظَـلّ يلهَـج بـالنـِّداء: يـا حَـيّ يـا قيـَّوم
يا بني..
إنَّ (ذكـرُ اللِّسان؛ نتائجهُ الأُجُور.. وذكرُ القلوبِ؛ نتائجهُ الحُضُور)..
حُضور الإجابـة!

قال التلميذ:
فكيفَ نَصـِل إليه؟

ابتسَم الشيخ:
الطَـريق إليه حـجابٌ عن قلبك تـرفعه.

يـا وَلـدي..
عندما تنوي البَـدء؛ تظـهر لك خارطة الطَريق..
و(إنّما أنتَ ما مِلْـتَ إليه)..
والقلبُ إذا آنَـس صُحبة الأسماء الحُسنى؛ لا يـأنس بسواها!

الأسماء الحسُنى؛ طَـريق الكَـرامة..
والكَـرامـة؛ أرضٌ لا تطَؤها أقدامُ التـّائهين!

مدّ لك البساط.. فلا تتأخر..
فإنه لا كفَـّارة لمن أدرك بساط الفضْل؛ ولم يطَـأه..
لا كفَـّارة للمُتـَأخرين!

واذكر الموعد.. {وعَنت الوُجوه للحَـيّ القيـّوم، وقَـد خابَ مَن حمَل ظُلماً}.

فطُـوبى..
لمن تَـرك شَـهوةً حاضرةً؛ لموعـدٍ غائِب لم يرَه!

طُـوبى له..
إذا عنَت الوُجوه؛ وكَـان ثَـوبه طاهـراً.

قال التلميذ: عَـلِّمني يـا مَـولاي كيفَ أحيا!

قال الشيخ:
متَى ما دنوتَ منه؛ لم تُخطئك العنايـة..
من أذِن لروحك أنْ تَصطحب نفحةً منه؛ فقد أذِن لـك بالوصـول إليه!

قال التلميذ:
الّلهُم هذا حـال قلبي.. ثم صمت..
تهدج صوته فقد كانت الكلمات في فم التلميذ نشيجًا..
وكانت عيونه؛ تَفيض!

فقال الشيخ:
هذا شوقٌ ينهـَمر..
(وفي الَليلةِ الظَلماء؛ يَشتعلُ الشَـوق)!

Comments

Be the first to add a comment