القرآن كلام الله المُعْجِز؛ فلا تخوضوا فيه باللسانيات العصرية
((وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)) الأنعام: 68.
تنبيه:
هذا المقال ليس بحثا علميا بالمعنى الأكاديمي؛ وإنما هو كتابة علمية لبث الوعي وتعميم المعرفة.
من غرائب بعض اللغويين العصريين؛ أنهم يجردون عربية القرآن مما حباها الله عز وجل من صفات الإلهية والاعجاز والتفرد بخصائص لفظية ونحوية وتركيبية وأسلوبية... يستحيل إيجادها في لسان غير اللسان العربي.
ذلك أن أولئك اللغويين يصفون لغة الكتاب المبين بنفس التوصيف اللغوي الموروث عن مبتكر اللسانيات العصرية السويسري دي سوسير في "كتابه اليتيم" (درس اللسانيات العامة)؛ الكتاب الذي لم يخُط على صفحاته سطرا؛ أي على أن اللغة "نظام من الإشارات المتجانسة المكوَّنة من وجهين اثنين؛ كوجهي قطعة النقود أو كوجهي ورقة الكاغد؛ لا يمكن الفصل بينهما: دال ومدلول؛ وأن العلاقة بينهما اعتباطية... وعلى أن اللغة منتوج اجتماعي... وعلى أن الإنسان الأول لم يكن ناطقا وإنما كان يعيش في الطبيعة هائما على وجهه يصرخ ويصيح !!!..." 1 إلى غير ذلك من الخزعبلات التي وقعت بين دفتي ذلك المؤلف...
إلى أن الحقيقة العلمية المجردة عن الأعباء الإيديولوجية الغربية؛ هو أن لغة القرآن لا يمكن قياسها بمقاييس اللسانيات العصرية التي ما أسست إلا لدراسة كلام البشر2؛ بينما القرآن العظيم هو كلام خالق البشر3.
فمن الناحية اللسانية الصِّرفة؛ نحن أمام لغتين شديدتي التباين؛ أولاهما ربانية أزلية؛ معصومة من النقص والزلل والخلل؛ وثانيهما إنسانية حادثة؛ يعتريها كل ما يعتري بني آدم من النقائص والأخطاء... والفناء.
((وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ)).
((الر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1) إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)).
فالقضية في منتهاها؛ هي أن المقارنة لأجل التسوية من أصلها مستحيلة؛ حيث أنه كما يستحيل مقارنة صفات الخالق بصفات المخلوقين؛ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا؛ فيستحيل أيضا مقارنة كلام الله بكلام العباد.
وهل المقارنة إلا أحد أكبر أدوات التحليل والدرس اللغوي؟
((وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ (103) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ)).
ومن العجائب، والعجائب في زمننا جمة؛ أني حاولت مرة مناقشة أحد الأساتذة الدكاترة (بروفيسور مسن في اللغويات العربية في أعرق جامعة في الجزائر)؛ حيث كان يريد إقناعي أن لغة القرآن مثلها مثل أي لغة أخرى؛ قال: لأن اللغة نظام لغوي كما قال دي سوسير!! ولما بدأت أحاول أن أشرح له إعجاز القرآن واختلاف العربية بنت عدنان عن سائر لغات بني الإنسان... تضايق بشدة واغتم وتضجر... وكأن به مس شيطان!
وهذا الأستاذ القدير بين زملائه؛ المعروف بحبه البحث في اللسانيات الفرنسية والغربية والمشاركة مع الباحثين الفرنكفونيين باستعمال لغة تخصصه؛ العربية؛ إنما أوتي من قبل تأثره بالثقافة الفرنسية... وما أدراك ما الثقافة الفرنسية؛ فهي ثقافة إيديولوجية بحتة؛ من الطراز المستعصي محوه بعد تغلغله وتمكنه من قلب المتفرنس...
وإني أسجل هنا ملاحظة مهمة وهامة؛ وهو أن اللغة الفرنسية؛ هي أيضا لغة إيديولوجية بحتة؛ وهي ماسخة؛ ومن أراد الدليل على ذلك؛ فليتأمل علاقة لغة فرنسا بمستعمراتها القديمة ولغاتها وثقافاتها؛ ثم ليقارنها بلغة بريطانيا الاستعمارية مثلا؛ الإنجليزية؛ في مستعمراتها هي أيضا؛ فسيتضح له الفرق جليا... 4
وليعلم من يريد الجمع والتسوية في البحث بين اللسان العربي المبين ((وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ)) وسائر ألسنة الناس أجمعين؛ والتي بلغت إلى عامنا هذا (2025) أكثر من 7200 لسان؛ أنه رام المحال من الطلب؛ وأن قصارى ما سيقوم به في "أبحاثه" أنه لن يتعدى أن يكون كالصائم الرافث؛ الذي يجهد نفسه بالجوع والعطش... ثم لا ينال شيئا في آخر صومه...
فكذلك هي حال ذلك الباحث؛ لن يجني من أبحاثه سوى التعب والنصب؛ ومعهما الإثم والوزر؛ في أحيان كثيرة؛ بسبب تقوُّله وجراءته على كلام الله؛ فإن القضية قد فصل فيها من البداية.

Comments

Be the first to add a comment