🌳قبل الجواب عن هذا السؤال، لا بد من التأكيد على أن الخلاف المذموم -الذي لا يستند إلى دليل معتبر- غير وارد هنا، فمحل البحث هو: الخلاف السائغ، الذي لا يوجب فرقة ولا نزاعاً لمجرده، إلا إذا صَاحَبه ظلم وبغي وعدوان. [ينظر: اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية، والاستقامة (1/ 31)].
📍وسأجعل الجواب مرتباً على عدة نقاط:
1️⃣مما لا شك فيه أن مسائل العقيدة متفاوتة، فمنها مسائل كبيرة، يمكن أن نعتبرها من الأصول، ومنها مسائل دون ذلك، يمكن أن نعتبرها من الفروع، وأما تقسيم الدين إلى أصول وفروع، وتخصيص الأصول بالمسائل العقدية (الخبرية العلمية) وتخصيص الفروع بالمسائل الفقهية (مسائل الأحكام العملية) فتقسيم محدث مبتدع، منشأه من جهة المتكلمين، ومن تبعهم من الأصوليين.
والحق أن الأصول منقسمة على النوعين، والفروع كذلك، ففي مسائل الاعتقاد أصول وفروع، وفي مسائل الأحكام أصول وفروع.
[ينظر: #تقسيمات_عقدية (7) في هذه القناة].
🌿قال ابن تيمية: "المسائل الخبرية قد تكون بمنزلة المسائل العملية، وإن سميت تلك: مسائل أصول، وهذه:مسائل فروع؛ فإن هذه تسمية محدثة، قسمها طائفة من الفقهاء والمتكلمين، وهو على المتكلمين والأصوليين أغلب، لا سيما إذا تكلموا في مسائل التصويب والتخطئة.... بل الحق أن الجليل من كل واحد من الصنفين «مسائل أصول»، والدقيق «مسائل فروع» ". [الفتاوى (6/ 56)].
2️⃣المسائل الكبيرة التي هي من أصول العقيدة لم يقع فيها خلاف البتة بين أهل السنة، والإجماع منعقد على إثباتها والإقرار بها، وهي المقصودة من إطلاقات بعض أهل العلم حينما يقررون أنه لا خلاف في مسائل الاعتقاد، ولا مجال للاجتهاد فيها.
🌿كما في قول ابن تيمية وهو يتحدث عن الخلاف في الفقه: "والصحابة أنفسهم تنازعوا في بعض ذلك، ولم يتنازعوا في العقائد، ولا في الطريق إلى الله التي يصير بها الرجل من أولياء الله الأبرار المقربين". [الفتاوى (١٩/ ٢٧٤)].
🌿يوضح هذا قوله: في موضع آخر "الصحابة رضوان الله عليهم لم يقتتلوا قط لاختلافهم في قاعدة من قواعد الإسلام أصلا، ولم يختلفوا في شىء من قواعد الإسلام، لا في الصفات، ولا في القدر، ولا مسائل الأسماء والأحكام، ولا مسائل الإمامة" [منهاج السنة (6/ 336)].
🌿وقول ابن القيم : "وقد تنازع الصحابة رضي الله عنهم في كثير من مسائل الأحكام -وهم سادات المؤمنين وأكمل الأمة إيمانا- ولكن بحمد الله لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال" [إعلام الموقعين (1/ 49)].
فكلام ابن القيم -والذي يستشهد به المانعون كثيراً- ليس عاماً في مسائل الاعتقاد، وإنما في أصلين من أصوله، وكلامه حق، فلم يؤثر عن الصحابة خلاف في هذين الأصلين، وحمله على العموم يتعارض مع واقع الحال، وابن القيم نفسه نقل في بعض كتبه عدداً من مسائل الخلاف العقدي، مما يؤكد على أن الاستشهاد بكلامه على العموم تحميل له بما لا يحتمله.
3️⃣أما المسائل التي هي من فروع العقيدة، فمنقسمة إلى:
أ)مسائل لا خلاف فيها، لثبوت أدلتها، ووضوح دلالتها.
ب)ومسائل مختلف فيها، إما من جهة ثبوت الدليل، أو من جهة دلالته، وهذا أمر لا يمكن إنكاره أو نفيه، فالصحابة رضوان الله عليهم قد اختلفوا في بعض المسائل العقدية كرؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه ليلة المعراج، ومسألة تعذيب الميت ببكاء الحي، ومسألة سماع الأموات لكلام الأحياء...
واختلف أهل العلم بعدهم في مسائل أخرى، كالهرولة هل تثبت صفة لله تعالى أم لا ؟ وفي تحديد ما الذي يوزن يوم القيامة العامل أم العمل أم الصحائف، وهل يرى المنافقون والكفار اللهَ يوم القيامة ؟ -وهذه غير الرؤية التي تكون في الجنة فإنها خاصة بالمؤمنين بالإجماع-وفي مسائل متعلقة بالرقى والتمائم، وفي كثير من الألفاظ هل تعد من المناهي اللفظية أم لا، وإذا كانت من المناهي فهل ذلك على سبيل الكراهة أو التحريم، وهل هي شرك أم لا ؟ ...الخ.
🌿قال ابن تيمية في سياق حديثه عن الصحابة: "وتنازعوا في مسائل علمية اعتقادية، كسماع الميت صوت الحي، وتعذيب الميت ببكاء أهله، ورؤية محمد ربه قبل الموت، مع بقاء الجماعة والألفة. وهذه المسائل منها ما أحد القولين خطأ قطعا، ومنها ما المصيب في نفس الأمر واحد عند الجمهور أتباع السلف، والآخر مؤد لما وجب عليه بحسب قوة إدراكه". [الفتاوى (19/ 123)].