والعجب أن تجد شخصا مثل د. هبة رؤوف، لها ميول يسارية نقدية واضحة، وهي فلسفات أعملت أداة ‏التأويل بلا رحمة طوال أكثر من نصف قرن لبيان (العبودية الخفية) في المجتمع الوظيفي المعاصر، وكيف ‏أن الإنسان فيه لا (يتحرر) إنما (يُقضى) على إنسانيته باسم الوظيفة / ثم تجمع مع ذلك الترغيب في ‏الانضمام لهذا المجتمع الوظيفي، ولا تُفرِّق بينه وبين معنى المجتمع الوظيفي في عصر الصحابة.‏
رابعا) المضاهأة بين المعنى المعاصر للوظيفة المعاصرة ومعناها في مجتمع الصحابة.‏
فتجدها تتحدث عن (تمريض) المرأة للصحابة في معركة، باعتبارها (وظيفة طبيبة)! ‏
لاحظ أننا هنا لا نتحدث عما أوردناه في النقطة الثانية، أي إطلاق الاستثناء، بل نقول سلمنا بأن هذا ليس ‏استثناءًا، فإن (معنى الوظيفة) أي توصيفها ومقتضياتها، مختلف  بين العصرين.‏
فخريجة كلية التجارة التي تعمل في البنك أو المحاسبة تسع ساعات أو حتى تدير هي بنفسها شركة تنهر ‏الموظفين وتختلط بالرجال ويشبهونها بالفراعنة = كيف توصف بالتاجرة كما كانت خديجة رضي الله عنها ‏التي كانت (تملك المال) وتولي الرجال العمل جميعه؟!‏
إن الصحابية التي ذهبت بضعة أيام كي تضمد الجرحى في ظرف قاهر كالحرب يحتاج للنساء بسبب ‏انشغال كافة الرجال، ليست كالأخت (الطبيبة) التي تمنع عن نفسها الزواج حتى الخامسة والعشرين كي ‌‏(تحقق ذاتها وتنجح في دراستها)! كما أنها لا تذهب من السادسة صباحا إلى الليل، أو تُستدعى فجرا كي ‏تهرول إلى عملها لطارئ!‏
إن مصطلح (طبيبة) بالمعنى المعاصر لم تكن النساء يعلمنه، وهكذا في كل المصطلحات تقريبا، وذاك مما ‏يُغفل الخوض فيه. ‏
خامسا) تجاهل عنصر الولاية والقوامة ودوره في تحديد ما للمرأة فعله.‏
في الإسلام للولي وحده حق تزويج المرأة مثلا، فهي دوما داخلة تحت سلطان رجل، فإن اختلعت من أبيها ‏أو زوجها لفسادهما مثلا (وهذا يكون بحكم قاضٍ)، ينتقل سلطانها إلى القاضي، حتى يصل إلى سلطان ولي ‏أمر المسلمين نفسه، فالمرأة داخلة دوما تحت ولاية رجل، ومعلوة دوما بذي سلطان يقوم عليها. وللولي حق ‏منعها من العمل أو الخروج، ولا ينازعه في ذلك أحد، إلا إذا منعها حقها الشرعي في مثل الكسوة والمطعم ‏والمقر الواجبين عليه، فهنا فقط أجاز الفقهاء لها أن تخرج وتكتسب النفقة بالعمل، ولا يعني ذلك وقف ‏ولايته، فهو يملك حق ألا تنشز عليه، ويكون خروجها دون إذنه ها هنا مستثنى من النشوز للضرورة، لا ‏تجويزا للنشوز مطلقا! فليس له أن يمنعها أن تُطعِم نفسها وأولادها إن أخل بما قدره الفقهاء، ولا تكون ناشزا ‏إن عصته في هذا، لكن له الحق أن يرفض خروجها في غير ذلك، وهكذا.‏
إذن المرأة ليست (طرزانا) يحدد هو أن يعمل ويخرج (ليحقق ذاته) أم لا، بل مشروط تحركها بموافقة ‏وليها، وهذا الحق هو العمل الأكبر في خطاب النسوية الليبرالية، وعملهن يدور دوما حول (ذم) فهم الفقهاء ‏الذكوريين للشرع، وتهذيبه لكي يوافق (الجتمع الأبوي)! فيظهرن لا كمهاجمات للشرع، بل (للفهم) الذكوري ‏له!‏
سادسا) الخطاب التحقيري للنسوة الموافقات للفطرة والملتزمات بالأدوار الاجتماعية التقليدية.‏
فتلك النسوة لما كن لا يعملن في المسميات الوظيفية المجتمعية العامة، وكن ينشغلن ببيوتهن وحدها = كن ‏أشد الناس إثارة لغضب النسويات، فمعلوم الهوس النسوي الغاضب دوما من فكرة التقسيم المجتمعي ‏للوظائف إلى عامة كالسياسة والتجارة وخاصة وهي البيت والتنشئة والتربية، يتولى أولها الرجال، وثانيها ‏النساء. لا توجد نسوية على وجه الأرض لا تحمل هذه العقدة ولا تدعو إلى كسرها بخطاب يُحقِّر من شأن ‏اللواتي يقرن في بيوتهن ويجعلن عملهن هو ما فطرهن الله عليه. ويتجلى ذلك في وصف النسوة الغارقات ‏في أعمال بيوتهن كوصفات الطعام المعقدة بأنه (من السفه، الذي سبب انتكاس المرأة ثقافيا وفكريا).‏
أخيرا،
ذاك غيض من فيض مما في نسوية د. هبة رؤوف الليبرالية من خلل في محاضرة واحدة فقط، وأعتذر عن ‏الاختصار الشديد، وعدم الإحاطة بكافة مواطن الخلل، لكن أحسب أن ذلك المقال على سرعته كافٍ كي ‏ينتبه القارئ فيما يسمعه من الدكتورة. ذاك أن بسبب عدم فقه أغلب الناس لأصناف النسوية، يحسبون أن ‏الدكتورة في ردها على النسوية = غير نسوية هي ذاتها! والحق أنها ترد كنسوية ليبرالية، على النسوية ‏الراديكالية المتطرفة، وتسميها (النسوية) دون توصيف، فلا ينتبه أحد لذلك، بل يردون مستنكرين: كيف ‏تقولون نسوية وهي ترد على النسوية؟! ولا يعلم أولئك أن بين أصناف النسويات ما صنع الحداد من الردود ‏والمعارك، ومن أبرزها بالطبع معركة الليبرالية (الإصلاحية، التصالحية) - الراديكالية (الثورية، ‏الصراعية)!‏
والله الهادي القاصم والولي الناصر.‏

*عمرو عبد العزيز.

Comments

Be the first to add a comment