من يقرأ في أبحاث كثير من المانعين من الإعذار يجد لديهم عددا من الظواهر المنافية لمنهجية البحث العلمي النافع، ومن أكثر انتشارا لديهم: ظاهرة الاستكثار من النقول.
فترى الواحد منهم يسوق عشرات النقول عن العالم المعين أو عن عدد من العلماء، ويوهم القاري بأن ما يقرره من عدم إعذار جهلة المسلمين في مسائل الشرك أو في المسائل الظاهرة وتكفيرهم بأعيانهم هو ما عليه العلماء من أهل السنة والجماعة.
وهذه الظاهرة ليست حديثة، فقد استعملها ابن جرجيس في مقارنة دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب، فإنه جمع في كتابه (صلح الإخوان) أكثر من خمسين نقلا عن ابن تيمية وابن القيم ليقرر من خلالها أنهما لا يكفران بكثير من المكفرات الشركية التي يقع فيه كثير من الغلاة في القبور.
وطلبة العلم المدركون للحقائق يعلمون أن إثبات الحق في المسألة الشرعية لا يكون بكثر النقول، وإنما بقوتها في دلالتها وقوة أدلتها الشرعية.
ويزيد الأمر إشكالا وعناءً للقاري بأن كثيرا من النقول لا جديد فيها، ولهذا ترى بعضهم يسوق عشرات النقول، ثم يعلق عليها بتعليق واحد، إما بنفس التركيب أو بنفس المعنى.
وقد نشرت قبل مدة بحثا بعنوان (أصول الغلط في فهم كلام العلماء عند المانعين من الإعذار بالجهل)، بينت فيه ما وقع فيه بعضهم حين أخذ ينقل أقوالا كثيرة عنم علماء مختلفين في المناهج والمنطلقات، وكثير منهم مخالف لمنهج أهل السنة والجماعة ليقرر من خلالها أنهم يكفرون جهلة المسلمين الذين يقعون في المكفرات.
وقد اطلعت على بحث حديث ينسب فيه صاحبه عدم الإعذار بالجهل في مسائل الشرك إلى ابن تيمية، ولا جديد فيه إلا في كثرة النقول، بل هو في الحقيقة متدنٍ كثيرا عن غيره من الأبحاث التي نسبت القول نفسه إلى ابن تيمية.
وقد جمعت من خلال قراءته عددا من أصول الغلط، وسأنشرها قريبا بعنوان (أصول الغلط في فهم كلام ابن تيمية عند المانعين من الإعذار بالجهل).
وسأقتصر على بيان أصول الغلط، وذكر التمثيل عليها إما بالنص أو بالمعنى، لأن ذلك أنفع للبحث العلمي، فبيان الأصول أشبه بالميزان الذين ينفع في التعامل مع ما نقل من الأقوال وفيما لم ينقل، ولأن تتبع كل ما نقل عن ابن تيمية متعب من غير إضافة لفائدة علمية مثمرة، فكثير منها من باب واحد. د. سلطان العميري