🌀الإيمان في القلب

- من الطرائق الشهيرة في التزهيد في الطاعات وتزيين المعاصي، تلك المقارنات
الساذجة التي تتنوع طرائق عرضها: بأن يقارن حال شخص يحافظ على الصلاة في المسجد مثلا ويقوم الليل لكنه يرتكب محرمات، في مقابل شخص أقل منه تدينافي الظاهر لكنه أحسن منه في الصدقة والخير، أو أن ينقل صورة امرأة متحجبة لكنهاترتكب محظورات معينة، في مقابل أخرى متساهلة في الحجاب لكنها تفعل أموراًحسنة.

والمقصد من هذه المقارنات هو بعث رسالة ضمنية عميقة للمتلقي: بأن الإيمان في القلب، فلا تغتر بمثل هذه المظاهر، ستعرف سذاجة هذه المقارنات وسخف ما تتوصل إليه من نتائج إذا استحضرت معنى واحداً فقط، وهو: أن التفضيل بين الناس لا يقوم على طاعة واحدة أو ترك معصية معينة، وإنما يكون بمجمل الحسنات والسيئات، فالدعوة إلى الحجاب وبيان فضله لا تعني أن كل محجبة هي خير من جميع النساء المفرطات في الحجاب،وإنما هي خير منهم في هذه العبادة، وأما بقية الأمور فتتعلق بحال كل امرأة وما تقوم
به من حسنات وما تجتنبه من سيئات، ومن مجموع ذلك يتفاضل الناس.

فإذا قيل: إن استعمال الدخان مؤثر في الصحة فلا يعني هذا أن كل مدخن هو أسوء صحة من غير المدخن، ولا أن كل من لم يدخن هو معافي من أي أضرار قد يصاب بها المدخنون، فهذه قضية بدهية لا تخطر على ذهن الناس
في مثل هذه السياقات لأنها متعلقة بمقدمات تفكير واضحة، لكنها إذا جاءت للقضاياالشرعية وقعت مثل هذه التوهمات الفاسدة، وصدقتها بعض النفوس، لأسباب منها:
ضعف التقدير الواجب للأحكام الشرعية عند بعض الناس، فيقبلون بعض التصورات الهزيلة بسبب تمكن الهوى.

فالظاهر وإن لم يدل بالضرورة على كمال صلاح الإنسان في باطنه، لكنه في الأصل
انعكاس عنه للتلازم الواقع بين الظاهر والباطن، فمن صلح باطنه ظهر ذلك في صلاح ظاهره، ومن صلح ظاهره أثر ذلك في صلاح باطنه.

ومن تمام صلاح الباطن وموجباته الالتزام بالواجبات الظاهرة، إذ الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهو ما يشعر به الإنسان من نفسه في مواسم الخير كشهر رمضان،وهو ما يكشف عن ذلك الغلط الكبير بتوهم أن العلاقة بين الظاهر والباطن علاقةمنفكة، والتعامل معهما كحقلين متباينين، فهذا جهل كبير بالشرع، وقصور كبير في فقه أحوال النفوس.

وقد كشفت الشريعة عن طبيعة الملازمة بين الظاهر والباطن، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذافسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب ).
وفي التأكيد على أهمية الظاهر والباطن
وأنه ميزان المفاضلة عند الله، يقول : «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن
ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم »

🔖 زخرف القول ص[(٣٣٤-٣٣٥)
بتصرف]

◇

Comments

Be the first to add a comment