لكل جهاز إلكتروني جديد، كتيب صغير، يُطلق عليه: الدليل الإرشادي، هدفه إخبار المستخدم كيفية التعامل معه، وكيفية الحفاظ عليه من أي ضرر، كذلك النفس البشرية، الله جل في علاه خلق النفس البشرية، وأنزل على نبيه الكريم محمد -صلى الله عليه وسلم- المنهج الذي نتبعه لنحافظ على هذه النفس، ونزكيها، قال الله -تعالى-: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا *.
فانطلق علماؤنا المسلمون -في الفترة الزمنية ما بين القرن الحادي عشر والخامس عشر الميلادي- لدراسة النفس دراسة طبية صحيحة، مستندة للوحي وسنة نبينا الكريم، فخرجت لنا أسس وآداب في التعامل مع الأمراض النفسية وعلاجها، على المقابل كان الغرب في هذه الفترة الزمنية يحرقون المرضى النفسيين لظنهم أنهم لا يمكن علاجهم لتلبسهم بالشياطين! واستمر الغرب في التخبط بين هذه الشعوذات، وجعل المرضى النفسيين عرضة لعملياتهم البشعة، إلى بداية الثلث الأخير من القرن العشرين الميلادي.
الآن تعثرت علينا السبل في فهم النفس، بعد تراجع المسلمين وهيمنة ثقافة الغرب علينا، أصبح لدينا ما يُعرف ب" عقدة النقص" وهو أن ننظر لأي إسهام إسلامي في هذا المجال بأنه بكل تأكيد قاصرٌ مقارنة بعلم النفس الغربي، مع أننا إذا نظرنا لتاريخ إسهامات علمائنا -أبي بكر الرازي، ابن حزم، وغيرهم- نجد لهم تفسيرات في سلوك الإنسان، وأنهم بدأوا في تحليل سلوك النفس البشرية من ثلاثية: فكرة ثم شعور ثم سلوك، وهذا ما يعرف الآن بالعلاج المعرفي السلوكي.
هؤلاء سبقوا الغرب من قرون عدة، لأنهم كانوا ينظرون للنفس البشرية من عدسة الوحي، لا من عدسة ال "أنا"، فالنفس في الإسلام لا تستمد قيمتها من الآخر، بل قيمتها في ذاتها، من العنصر السماوي الخالص في طبيعتها، قال تعالى في كتابه: *وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا*. وهو تكريمٌ عام شامل لكل نفس على وجه الأرض.
فهل لنا أن نبدأ بعرض النفس على صانعها -عز وجل- ونتعرف عليها من منظور إسلامي يربط بين الجديد والقديم، ويترك ما يخالف الوحي، أم سنظل تائهين بين إسهامات الغرب وتعاليم ديننا؟!