*زَوْجِي الْعَشَنَّقُ*

لَا يَخْلُو زَمَانٌ مِنْ مُعَانَاةٍ لِلْمَرْأَةِ مِنْ زَوْجِهَا، وَلَا مِنْ مُعَانَاةٍ لِلرَّجُلِ مِنْ زَوْجَتِهِ، فَطَبِيعَةُ هَذِهِ الحَيَاةِ أَنَّهَا لَا تَخْلُو مِنْ كَدَرٍ، وَلَكِنَّ مُعَانَاةً عَنْ مُعَانَاةٍ تَخْتَلِفُ؛ فَهُنَاكَ مُعَانَاةٌ مُؤَقَّتَةٌ، وَهُنَاكَ مُعَانَاةٌ دَائِمَةٌ.
أَصْعَبُهَا وَأَطْوَلُهَا: المُعَانَاةُ المُتَعَلِّقَةُ بِطِبَاعِ الرَّجُلِ أَوِ المَرْأَةِ، وَالصُّعُوبَةُ نَابِعَةٌ مِنْ عَدَمِ رَغْبَةِ الإِنْسَانِ فِي تَغْيِيرِ طِبَاعِهِ، وَالتَّأَقْلُمِ مَعَ مَنْ حَوْلَهُ.
وَإِلَّا فَكُلُّ خُلُقٍ ذَمِيمٍ قَابِلٌ لِلتَّغْيِيرِ، وَمَنْ غَيَّرَ نَفْسَهُ غَيَّرَ اللَّهُ أَحْوَالَهُ.

وَقَدْ يُنْكِرُ بَعْضُ النَّاسِ إِمْكَانِيَّةَ تَغْيِيرِ الأَخْلَاقِ بِحُجَّةِ أَنَّهُ فُطِرَ عَلَى ذَلِكَ، وَيَقُولُونَ: (الطَّبْعُ يَغْلِبُ التَّطَبُّعَ)، وَيَرُدُّ عَلَى هَذِهِ الدَّعْوَى الإِمَامُ الغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فَيَقُولُ: «لَوْ كَانَتِ الأَخْلَاقُ لَا تَقْبَلُ التَّغْيِيرَ لَبَطَلَتِ الوَصَايَا وَالمَوَاعِظُ وَالتَّأْدِيبَاتُ)). (إحياء علوم الدين 3/55)
وَيَحْتَجُّ الغَزَالِيُّ عَلَى هَذِهِ المَقُولَةِ بِأَمْرٍ آخَرَ فَيَقُولُ: ((وَكَيْفَ يُنْكَرُ هَذَا فِي حَقِّ الآدَمِيِّ وَتَغْيِيرُ خُلُقِ البَهِيمَةِ مُمْكِنٌ، إِذْ يُنْقَلُ البَازِي مِنَ الِاسْتِيحَاشِ إِلَى الأُنْسِ، وَالكَلْبُ مِنْ شَرَهِ الأَكْلِ إِلَى التَّأَدُّبِ وَالإِمْسَاكِ وَالتَّخْلِيَةِ، وَالفَرَسُ مِنَ الجِمَاحِ إِلَى السَّلَاسَةِ وَالِانْقِيَادِ، وَكُلُّ ذَلِكَ تَغْيِيرٌ لِلأَخْلَاقِ)). (إحياء علوم الدين 3/56)
فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي البَهَائِمِ، فَفِي الإِنْسَانِ الَّذِي كَرَّمَهُ اللهُ بِالعَقْلِ مِنْ بَابٍ أَوْلَى.
فَلَا يَصِحُّ التَّعَذُّرُ بِقَوْلِ الرَّجُلِ أَوِ المَرْأَةِ: «هَذَا طَبْعِي»؛ فَالطَّبْعُ الحَسَنُ يُبْقَى عَلَيْهِ، وَالطَّبْعُ السَّيِّئُ يُغَيَّرُ.
وَمَا مَرَّ بِنَا فِي مُعَانَاةِ الزَّوْجَةِ الأُولَى وَالثَّانِيَةِ كُلُّهُ يَرْجِعُ إِلَى طِبَاعٍ سَيِّئَةٍ فِي الرَّجُلِ لَمْ يُغَيِّرْهَا.

وَهَذِهِ هِيَ المُعَانَاةُ الثَّالِثَةُ، تَرْوِيهَا المَرْأَةُ الثَّالِثَةُ، فَتَقُولُ:
زَوْجِي الْعَشَنَّقُ، إِنْ أَنْطِقْ أُطَلَّقْ، وَإِنْ أَسْكُتْ أُعَـلَّقْ.

مُعَانَاةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ المَرْأَةَ لَا تَسْلَمُ لَا فِي الصَّمْتِ وَلَا فِي الحَدِيثِ، فَمَاذَا تَفْعَلُ؟!
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الهَرَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «العَشَنَّقُ: الطَّوِيلُ، قَالَهُ الأَصْمَعِيُّ. تَقُولُ: لَيْسَ عِنْدَهُ أَكْثَرُ مِنْ طُولِهِ بِلَا نَفْعٍ، فَإِنْ ذَكَرْتُ مَا فِيهِ مِنَ العُيُوبِ طَلَّقَنِي، وَإِنْ سَكَتُّ تَرَكَنِي مُعَلَّقَةً لَا أَيِّمًا وَلَا ذَاتَ بَعْلٍ!)). (غريب الحديث 2/ 167)

فَهَذِهِ المَرْأَةُ تَصِفُ زَوْجَهَا بِأَنَّهُ طَوِيلٌ، فَهَلْ هِيَ تَمْدَحُهُ أَمْ تَذُمُّهُ؟
سِيَاقُ الكَلَامِ يَدُلُّ عَلَى الذَّمِّ، فَمَاذَا تَقْصِدُ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ؟
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللهُ: «قَالَ الأَصْمَعِيُّ: أَرَادَتْ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ أَكْثَرُ مِنْ طُولِهِ بِغَيْرِ نَفْعٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ المُسْتَكْرَهُ الطُّولِ، وَقِيلَ: ذَمَّتْهُ بِالطُّولِ؛ لِأَنَّ الطُّولَ فِي الغَالِبِ دَلِيلُ السَّفَهِ)).
(فتح الباري 9/260)
وَقَالَ أَيْضًا رَحِمَهُ اللهُ: ((قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الضَّرِيرُ: الصَّحِيحُ أَنَّ الْعَشَنَّقَ الطَّوِيلُ النَّجِيبُ الَّذِي يَمْلِكُ أَمْرَ نَفْسِهِ وَلَا تَحَكَّمُ النِّسَاءُ فِيهِ، بَلْ يَحْكُمُ فِيهِنَّ بِمَا شَاءَ، فَزَوْجَتُهُ تَهَابُهُ أَنْ تَنْطِقَ بِحَضْرَتِهِ، فَهِيَ تَسْكُتُ عَلَى مَضَضٍ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَهِيَ مِنَ الشِّكَايَةِ الْبَلِيغَةِ انْتَهَى.
وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ السِّكِّيتِ مِنَ الزِّيَادَةِ فِي آخِرِهِ وَهُوَ عَلَى حَدِّ السِّنَانِ الْمُذَلَّقِ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيِ الْمُجَرَّدِ بِوَزْنِهِ وَمَعْنَاهُ، تُشِيرُ إِلَى أَنَّهَا مِنْهُ عَلَى حَذَرٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ أَرَادَتْ بِهَذَا أَنَّهُ أَهْوَجُ لَا يَسْتَقِرُّ عَلَى حَالٍ كَالسِّنَانِ الشَّدِيدِ الْحِدَّةِ)). (فتح الباري 9/ 260)

أَمَّا وَصْفُهُ بِأَنَّهُ سَفِيهٌ أَهْوَجُ، فَهَذَا وَاضِحُ الْمَذَمَّةِ. فَالْعَرَبُ تَقُولُ فِيمَنْ لَهُ مَنْظَرٌ بِلَا مَخْبَرٍ:
تَرَى الْفِتْيَانَ كَالنَّخْلِ، وَمَا يُدْرِيكَ مَا الدَّخْلُ)). (نشوة الطرب في تاريخ جاهلية العرب ص727)

Comments

Be the first to add a comment