‏✿•.

السعوديات بعدسة فرنسية قراءة في كتاب النساء والفضاءات العامة في المملكة
العربية السعودية.

✍🏻 أ.ملاك الجهني.

(من البداية كانت نجلاء تحديًا !)

هذا ما قاله الصحفي الأمريكي لورانس رايت عن زميلته المنتقبة في صحيفة سعودي جازيت في مطلع حديثه عن واقع الحياة في السعودية.

وعبارة رايت تمتح من رؤية تاريخية شكّلت فيها المرأة المحتجبة تحديًا صريحًا أمام (الرجل-المستعمر الأبيض) الذي انتهك الحدود، وانتهك الأوطان، وتطلع بشغف لانتهاك الحجاب!

وفكرة الانتهاك نفسها (انتهاك الحدود، المحرمات…) ليست بغريبة على فكر الحداثة الغربية، فقد بلغت الفكرة مداها لدى الماركيز دي ساد، كما تمثلت لدى غيره بدرجات متفاوتة.

وفي كتاب (النساء والفضاءات العامة في المملكة) للباحثة الفرنسية أميلي لورونار نصادف الانتهاك مُسقطًا على سلوك السعوديات، كما في الفصل المعنون بقولها (ننتهك معا !)، وسواء أعبَّرت الترجمة بدقة عن النص الأصلي بالفرنسية أم لم تعبّر، فلا شك في وجود فروقات دلالية بين الانتهاك والعصيان ومخالفة الأحكام الشرعية إذ يتضمن الانتهاك دلالات تتجاوز العصيان والمخالفة، هذا من الناحية النظرية أما الناحية الواقعية فسلوك السعوديات الموصوف بالانتهاك لم يتخط المخالفة والعصيان كما سيأتي، مما يثير التساؤلات المعهودة حول أمانة الترجمة، وحول مدى تجرد المؤلف-صاحب النص الأصلي- أو المترجم-الموصوف عادة بالمؤلف الثاني للنص- من خلفيتهما الأيديولوجية، ويعيد ترسيم الحدود بين الحياد والموضوعية في البحث العلمي، ويبين موقعهما بدقة في كل من التوصيف والتحليل، أي يعيد تعريف -ما يوصف خطأً- بالموضوعية.

أصل الكتاب الصادر عن الشبكة العربية عام (2013م) رسالة دكتوراه استغرق إنجازها عدة سنوات، أمضت منها الباحثة عشرة أشهر في المملكة ما بين عامي (2005-2009م)، واستهدفت فيها الفضاءات العامة الجامعة للفتيات الحضريات في مدينة الرياض بالدراسة. ووصْف السعوديات هنا ليس مطلقًا وإنما يختص بالشريحة المشار إليها بحسب ما ذكرته الباحثة التي تناولت ببحثثها الميداني أربعة فضاءات تجمع الشابات السعوديات، وهي: (فضاءات الدراسة، وفضاءات العمل، والفضاءات الدينية، وفضاءات التسوق)، وقد ذكرت الباحثة أنها قضت أوقاتًا ليست باليسيرة -امتدت أحيانًا لصباحات كاملة- مع جماعات المؤانسة الفتاتية (الشلل) في فرع جامعة الملك سعود في عليشة، ورافقت بعضهن للمراكز التجارية، وأحد المهرجانات، كما أجرت الباحثة بعض مقابلاتها في إحدى الجمعيات النسائية الخيرية غير الدينية، وزارت الباحثة كذلك مراكز تحفيظ القرآن النسائية، وجامعة الإمام، وشهدت بعض الاجتماعات الدعوية والمحاضرات وغيرها، لكنها نبَّهت إلى (محدودية) اتصالها بالفضاءات الدينية نسبة إلى الفضاءات الأخرى التي ترددت عليها بكثرة ومكثت فيها فترات زمنية أطول.

وقد صدّرت الباحثة دراستها بذكر أدواتها التحليلية وصرّحت بتجنبها لاستخدام مفهوم (البطركية-الأبوية) بوصفه مفهومًا تحليليًا ومحوريًا مستخدمًا لكشف علاقات الهيمنة في الدراسات النسوية، وعللت الباحثة استبعادها للمفهوم بالطابع اللاتاريخي للأبوية، وتطبيقه في سياقات مختلفة جدًا، تؤدي لسحق خصوصية السعوديات، فاستبعدته نظرًا لذلك ولما تلقاّه المفهوم من نقدٍ عُدّت فيه الأبوية مفهومًا عابرًا للقوميات وعابرًا للثقافات.

وبينما تستبعد الباحثة (البطركية-الأبوية) من أدواتها التحليلية تُبقي على مفهوم (الجندر-النوع) بوصفه نشاطًا منجزًا دون توقف، وممارسة ارتجالية تنتشر داخل مشهد من القيود، وبوصفه أيضًا إنجازًا قيد التحقق، ورغم هذه الصبغة الدينامية في استخدام المفهوم والتي ظنّت الباحثة أنها كافية لكسر القوالب الجامدة وتجاوز مأزق الخصوصية الثقافية فلا تلبث الباحثة أن تقع تحت تأثير رؤية جوديث بتلر التي ترى أن الهوية الأصلية التي يتأسس عليها الجندر (هوية لا أصل لها)، ويتضح هذا في تحليل الباحثة لبعض ممارسات السعوديات وفقاً لتلك الرؤية كما في حديثها عن (طقسنة الأنوثة)، و(الأدوار الطبيعية) و(الفروق الجوهرية بين الأنوثة والذكورة)، ولا شك في أن هذه الرؤية النسوية هي نتاج ثقافة غربية تختلف اختلافًا كليًا عن التصور الإسلامي، والواقع أن الباحثة تستخدم المفهوم باعتباره عابرًا للثقافات هو الآخر ولا فرق !


ذكرت الباحثة في مقدمتها أن الحديث عن السعوديات بصورة عامة لا يفيد كثيرًا وأن الدراسات التي أجريت على السعوديات أثبتت وجود (فروقات) تمنع من إصدار تعميمات عليهن، وترى أن الحل الأمثل لدراسة واقع على قدر كبير من التعقيد هو السعي لتحليل يسلط الضوء على خصوصية السياقات وعلاقات السلطة وسيرورات الإدماج والتهميش و(عمل التجميع) الذي يطبعها، مستندة لمقولات ميشيل فوكو حول السُلطة بصفة أساسية.
@bahethat1

Comments

Be the first to add a comment