باختصار، هذه قصة الفتاة المصرية التي ماتت على #الإلحاد قبل يومين كما نقلها بعض الأصدقاء عن اعترافاتها في يوتيوب: نشأت الفتاة على الإسلام في عائلة محافظة ووضعت #الحجاب، ثم أرسلها أهلها إلى بريطانيا لتدرس في أفضل جامعات العالم ويرفعوا رأسهم بها بين الناس، وبما أنها ذكية ونشيطة وتحب الظهور فقد تصدرت لإلقاء محاضرات عن حقوق المرأة في الإسلام وهي محجبة، لكن الصدمة الحضارية كانت قد بدأت بالعبث في أعماقها، فهي لا تملك الأناة والعلم لفهم الهدف من هذه الحياة كلها كابتلاء وامتحان، فضلا عن إدراك حكمة الأحكام الشرعية التي تتناقض بين الإسلام وليبرالية الغرب، فإذا كانت محاولات الجمع بين النقيضين قد فشلت على يد كبار فقهاء التجديد والتمييع فكيف بفتاة صغيرة؟
عندها أصبحت الفتاة "أكثر مرونة" في التعامل مع الحد الفاصل بين الحلال والحرام كما اعترفت بنفسها، وبما أنها مجرد فتاة مغتربة ضعيفة في وسط حضارة علمانية عملاقة بمؤسساتها وهياكلها ومناهجها العلمية والفكرية والترفيهية، فهي كالقشة في مهب الريح. كان يكفي أن تدخل في نقاشات فكرية عاصفة مع بعض الملحدين لتجد نفسها عاجزة كما تقول عن "التوفيق بين النص والعقل"، وهذا يكفي لتتحول إلى الإلحاد ببساطة.
هذه القصة تكررت أمامي كثيرا، فبعض الشباب والفتيات تواصلوا معي لطرح الأسئلة قبل سنوات أو أشهر ثم بلغني أنهم ألحدوا وانخرطوا في ماكينة الشيطان المهيمنة على العالم اليوم، ودعك الآن ممن كانوا يريدون خوض النقاشات مع الملحدين ثم صاروا مثلهم لأنهم تعجلوا الشهرة والتصدر. لن تجد لدى أحدهم أي أجوبة عما كان يطرحه من شكوك، فهم ما زالوا بعد كفرهم تائهين، بل أكثر ضياعا مما قبل. هم الآن بحسب تعبيرهم أكثر انسجاما مع أنفسهم، بعبارة أخرى "أكثر توفيقا بين سلوكهم وشهواتهم، وبين حيرتهم وضياعهم".
بعض هؤلاء يكتفون بالكفر والاستمتاع بملذات الحياة، {وما يعدهم الشيطان إلا غرورا}، لكن النشطين والحركيين منهم مثل هذه الفتاة، قد يتحول نشاطهم من الدعوة إلى الله للدعوة إلى جهنم، وبنفس الحماس والهمة!
المشكلة أن القدَر المكتوب مسبقا على كل منا لم يطّلع عليه أحد، لا نحن ولا هم، فالفتاة التي اختارت الانتقال من الحجاب والدفاع عن الإسلام إلى التجديف والدفاع عن الإلحاد وتشجيع الشباب والفتيات على اللحاق بها، لم يمهلها القدر لحظة واحدة عن الأجل المحتوم. ماتت وهي نائمة وبكامل صحتها في سن الخامسة والعشرين، وانتهى الامتحان فجأة، وإلى غير رجعة أبدا.
ربما تكون قد تابت قبل أن تنام، وهو أمر مستبعد لكنه محتمل، ونحن مكلفون بالتعامل مع الإنسان على ظاهره دون حكم على مصيره، ودون التدخل أيضا في طلب مصير مخالف لظاهره.
هي الآن وحيدة في القبر، وأصدقاؤها المسلمون الذين لا يقلون عنها سذاجة وسخفا وضعفا وحيرة لم يتحملوا الصدمة، فقرروا أن يصلّوا عليها كما يصلى على المسلمين في بيوت الله. هم لا يتحدثون عن احتمال توبتها ولا يبررون كفرها بأي مرض نفسي أو عقلي، بل يريدون فقط من الله أن يرحم صديقتهم الكافرة من أجل خاطرهم.
وكأنهم لا يريدون أن يصدقوا أن صديقتهم ستلقى الجزاء العادل الذي كانت تعرفه جيدا وتتمرد عليه بكامل إرادتها وقواها العقلية. وكأنهم يعترضون على عدالة الله في منح الإنسان حق الاختيار. وكأنهم يسيرون على نفس طريقها في التمرد!
إذا كانوا حريصين فعلا على نجاتها فلماذا لم يأخذوا على أيديها عندما اختارت أن تصبح رسالتها في الحياة هي نقل أكبر عدد من الناس من الإسلام إلى الكفر؟ إذا كانوا أضعف من مواجهتها بالحقيقة عندما كانت في قمة الجحود والكفر فكيف يجدون الجرأة لمواجهة ربها وربهم وطلب رحمته من أجلها؟!
لو أن هذه الفتاة كانت قد اعتدت على مال أحدهم أو عرضه أو دمه فهل كان سيطلب لها الرحمة؟ أم أن اعتداءها على الله وعلى دين الآخرين هو أهون من الاعتداء على حقوقهم الشخصية؟
متى يتعظ الإنسان؟ متى يتجاوز المراهقة الفكرية والرومنسية إلى الرشد؟ متى يكف عن قلة أدبه مع الله وينشغل بالامتحان الذي خُلق له؟ متى يستعد للحظة الحساب التي يعلم يقينا أنه سيلقاها وحيدا بلا محامي ولا فرصة للعودة والتراجع؟ {قُتل الإنسان ما أكفره}.