📖 رَمـضان في صُحبةِ الأسماءِ الحُسنى

🌙 الَّليلةُ السَــابعة

- الحَـييُّ السِّتـِّير..

قال الشيَخ:
إن لم تَصُم الخَطيئة في العُـروق؛ تَظلّ الروح مُفطِرة.. يضيقُ أثر الطَاعة، ويخنقها القلب إنّ كان مُعتِما!

يا مَـن قُلت {لَّوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ}؛ فجعلتَ العفوَ له سِتراً.. فكان الأجـرُ؛ {فأنبَتنا عليه}..
انفُض عن قُلوبنا؛ ما علِق بها من غَيب الغواية ومما عَلِمت.

قال تلميذ:
مـن أينَ.. (مِن أينَ إنْ لم يَرأب اللهُ العُـيوب تُـرأبُ)؟

قال الشيخ:
ذاكَ سـِتره..
أكانت تبلُغ المَراكب مراسيها؛ لو نـزَع سـِتره؟!

قال التلميذ:
لا والله ولا أضاءَت الحَسنات في المَقابر؛ لو كـشِف سـِتره!

قال الشيخ:
فقُل.. الَلهُم جـِئتك بالقليل ممّا سَلـِم من سَعيي وأنت السِتّير..
فاغزل لي منه يوم القيامة مَلجأ!

أبنائي..
غيبُ كُل امرئ في صَدره؛ والله بـه عليم..
نحن عُـراةٌ في سـَفر الآخرة مع الحَسنات المتعبة..
عُـراةٌ في رحلةٍ أحوالها مُبهَمة..
فاستُرنا يـا مولاي بالقَـبول..
وجنِّبنا فُـضوح الُدنيا.. وفضوح الآخـرة..
جنّبنا خَـيبة الذَنب وخيَـبة الفُـضوح!

بل يَـا ربّ..
جنـّبنا كُـل خيـرٍ فيه فتنة الفُضـوح!

سترك يا مولاي غاية المنى..
يـا جَميل الصُحبة..
نسألك سِتراً لا تَرفعه الفـِتن..
وثباتـاً لا تَهُـزّه المـِحن..
وعَزيمة لا َيهـزّها الوهـن!

يـا أبنائي..
لولا سـِترُه؛ ما أحبّنا أحَـد..
لـذا؛ ترى العارفين بالله لا يَغُرّهُـم المَـديح..
تمتَـدّ في صلواتهم تعويذةُ الخَـوف؛ أنْ لا يُرفعَ عنهم السِـتر!

قال تلميذ:
سُبحانه سمـّى نفسه السِتـّير وليس السَاتـِر..
فترى الاسم يستُـر عَـوراتنا..
يحنو على سَوءاتنا..
فلا يُكدّر صورتنا نقصٌ ولا خَلل!

قال الشيخ:
السـتـّير.. والستـّير برحمته (يُغيـّر ولا يُعَـيـِّر)..
يَلُـمّ بِستره السَرائر، وعُمـْراً أرخَـى فـِتنته..
ويَجعل السـِّتر أصْـلاً؛ فيُنسي الناس مَـا مَـضى.

واللهُ وحده مَن يعلم..
كـمْ أوصَدنـا الظَـلام على الخُـطى!


ولولا سـِترُ الله..
لاحتَشدت السَرائر على الَملامح؛ وفاحَـت روائحنا!

يا رَحمة الله إذ يَسترنـا؛ فنَـنتشي مـن الشَرف!
فما أشَـدّ جَهلنا؛ إذ ننسى أنَـه لولا فضله ما أتتْ الحَسنة..
ولولا سـِترُه؛ مادامت الطاعة!

الله سـتـّـير حَـيِـيٌّ يحـب السـّتـر..
فتَـقرّبوا إليه بالسّتر!

قال تلميذ:
مـا فهمتُ يـا سيّدي!

قال الشيخ:
يَـا ولَـدي..
كان في المَدينة قومٌ لا عُيوب لهم، تكلّموا في عيوب الناس؛ فصارَت لهم عُـيوب!

وكان قومٌ لهم عيوبٌ سكتوا عن عُيوب الناس؛ فنَسي الناسُ عيوبهم!

لذا قال النّخعيّ:
( إنـّي لأرى الشيء أكرههُ، فما يَمنعني أنْ أتكلّم في أهله؛ إﻻ مخافةَ أن أُبتلى بمثله) !

قال تلميذ:
كيف نبلُـغ هذا الأدَب؟

قال الشيخ:
إنّ دوام المُزاولات تعطي الكَمالات..
و(إذا صَحّ للعبدّ بالله التعَلُـّق؛ تمّ له بكمالاتِ الله التَخلـّق)!

لو ابتُليت بمعصيةٍ؛ فاستُرها بالتوبة ولا تجاهر..
فإنّ السَيئة لا تكـون في عَـلانيتها؛ إلا وقد سبقَتها زلاّتٌ في خَـلواتها!

وحَسْبُ الخَفايا؛ أنّها تَطلب علانيتها يوم القيامة..
فيكشفُ الله منها ما كـان مَستوراً!

لـِذا..
لات َـحقرنَّ الصَغائر إذا طَـرقتْ بابـك..
وَوالله لو أرادَ اللهُ بعبدٍ فضيحةً؛ أخرجَـه من تحتِ كَنفه، فَتبدو للناس عورات ما كانوا يَعلمونها!

واستـُر حَسنتك، وتصَـدّق دون ضَـجيج المَـنِّ والأذى..
واحفظْ وديعَـة السـِّر بينكَ وبين الله، ولا تُعرِّضها للـرِّياء..
فإنّ التَـحدُّث بها؛ يَهتك سترها!

يَـا وَلدي..
ما القَبولُ؛ إلا خَبيئة الآخـرة!

تَحمل الملائكةُ في الألواح الحَسنات الصامتة..
تلك التي يُـغرَف لها الأجـر غـرفـًا.

ألا تَشتهي صدقةً..
يُجمع لك بها أطـراف الأجـر؛ فتَـثقُـل بها الكَفّـة!

يَـا ولـدي..
والله إنّ خَفق النِّعال خلفَ قلوب الرّجال في المجالس؛ يهتَـزّ له الإخـلاص.. فحاذر شهرة الحسنات

ثُـمّ استُروا أوجَاعَكم..
فزَكريّا في وصْفِ القُرآن.. لَم يَزِد على أن؛ {نادَى ربَّه نداءً خَفيًّا}..

همَس فيه بأرَقٍ؛ خَبّأه في كلِّ سنوات عُمره..
{وكانَت امْرَأتي عاقِراً}!


لقدْ كان الهَمْس ليلاً..
في مكانٍ قَصيٍّ عن سَمعِ النّاس، وفُضول النّاس!

هَمْس بِحاجَتِه الفِطرية؛ لِمـَن بيدهِ مَقاليد الأمـر، ومفاتيح الفَـرَج!

{فَهبْ لي من لدُنك وليّاً}..
هَمَس بها لله وحده؛ دون أن يَهتِك سِتر ما بينه وبين زوجِه!

بلْ قدّم في أول الدُّعاء؛ ضَعفه.. فهو الذي؛ {وَهَن العَظم} منه {واشتَعل الرَّأسُ شَيبا}..
كأنّما يعتَذر عن زوجته، ويَحمل العِبء عنها!

ثم ها هو يَصف ضَعفه..
ويسأل ربّه مَخرجاً؛ لا ينقض العَلاقة العَتيقة!

سَتَر النّقص؛ فأشرقتْ لـه الأُمنية، وأتمّ اللهُ له الأمرَ على أجمَـلِ ما يكون..
إذْ جاءه يَحيى {بَرّاً بوالِديه}!

كلاهما.. فقدْ استحقّ الزَّوجان بـرّ الولد؛ لبرٍّ خفيٍّ بينَهما!

Comments

Be the first to add a comment