حاشا لقلب قد دعاك ؛ أن تكون حظوظه الأشقى .. يارب للدمعِ في أنفاسِنا دويا .. آتٍ على جِسرٍ من الآهاتِ ؛ وفي قلبـي اليقيـن .. "إنْ قلتُ يا ربّـاهُ أعلمُ ؛ أنّـه مِن بعـدِ يـا ربّـاهُ خيـرٌ آتٍ" .. ويقيننا أنه ما اشتدّت واستحالت ؛ إلا تيسّرت واستهانت !
يـا أبنائـي .. رمضَـان زمَـنٌ محَـى ما قبله ، وبدّلَ ما بعـده .. يَطوي عنكَ الجـزر ؛ ويُبقـي لك المَـدّ مادامت ممدودةً مِنك اليَـد .. والأمـر حين تستودعه الله ؛ يفرّ مِن ضَعف حيلتك إلى خزائـن فضله !
والله .. إني ما نلت شيئا ؛ إلا بالذي سخر الأسباب َ .. و "إذا أرادَ الله أن يرسل لك الخير ؛ حمَله إليك ولو على ظهـر عدوّك" .. وخلفَ باب الغَيب مُتّسع !
قال تلميذ: ما ضَـرّ هذا الحُـزن لو كان قميصًا نخلعه ؟
قال الشيخ: يابُــنيّ .. المؤمنُ بين كَميـنٍ و كَميـن ؛ ومن كُـل مِحنة يَكتَمِل .. وقدر العبدُ أنه بين أنفاسٍ محفوظةٍ وأعمالٍ ملحوظة ؛ هذا اختبارك وهو الشّهيد عليك .. وما استُمطِرت الرّحمات ، ولا استُجلبت النّفحات ، ولا استُدفعت البَـليّات ؛ بمثل تقوى الله .. فاستنزل العطايا بالتقوى !
وإن راودتك الفِتنة كيْ تَسكب طينك فقُل ؛ في المِحنة يَـبينُ مَن كان قلبه بِـئرًا مُعَطّلة ، ومَن كان قلبه قَصـرًا مُشيّدًا .. واللهُ على كُـلّ شيءٍ شهيـد .. سبحانه يختبرك قبل أن يعطيك !
يابُــنيّ .. مَن جَـوّع قلبه لله ؛ أطعمته الآخِـرة وما تركَ الله له نصفَ أمنية مُعلقة !
قال التّلميذ: والله إنّ بعض الطُّـرِق فتنة !
عَـدّل الشّيخ جلسته ؛ ثُمّ قال : يمتحنُ الله ثَباتك .. يمتحنُ يقينك .. وعلى قدر الدّيانة ؛ تكون من الله الصّيانة .. { واللهُ على كُـلّ شيءٍ شهيـد } فلا تطوِ الطّريق إليه براحلةٍ عَـرجاء !
قال التلميذ: ما أفعل والذُّنوب مُثقِلةٌ ؛ والخُطى مُرهِقة !
قال الشيخ: ذلك لأن البُعد للقلـب ؛ لَحـد .. فطُوَبى لِمن كَفَّ عَمَّا يَكرَهُ اللهُ !
قال التلميذ: آهٍ وألفُ آهٍ .. ماذا يفعلُ مَن كانَ قلبه في مَهبِّ الذَّنب ؛ حيثُ مالَ بـه يَميل ؟!
قال الشّيخ: أوّاهُ إنْ ثارت فِتـنٌ ؛ وحَبل الوصـلِ في وهَـن !
يابُــنيّ .. هَذا دَربٌ امتُحن بـه ألفُ ألفُ قلـب .. منهم مَن مضَى على ظَمأ ؛ ومنهم من صَـار وَهْـما !
فإياك أن تكون نَـفْسا كلّـما ثبتَ لها قدَم ؛ زلّـت .. وكلّما عُقد لها عَقد ؛ حُـلّت .. ألا تَخشى نفسك مِن ربّها عين المَقت ؛ يابني .. ( وكَم قدمٍ إلى القُبور قادِمة .. كلهم على الأكتاف نادم .. والموتُ خاتمةُ الرّوايةْ ) !
يابُــنيّ .. والله إن وجَـع الانفلات مِن فِتنة الزّينة ؛ أهوَن مِن فِخاخ الأسـر .. هو في العُلـى بكمالِـهِ .. كشفَ الضّلال بأمره .. وهو على كُـلّ شيءٍ شهيـد !
قال التّلميذ: يارب .. إنّـي لا أطيقُ لك عُـذراً ؛ فأيقِظني مِن فتنةِ ما لا أستطيعُ عليه صَبرا !
قال الشيخ: رُبَّ ثباتٍ على الأشواكِ نمشيه .. رُبما تَسألني ؛ كيفَ نُطيق !
إنْ اشتعلتْ نارُ الغواية في جوارِحك ؛ فاذكُـر { وَمَا تَكُونُ فِي شَأنٍ } إلا كان عليك شَـهيد .. فلا يكُـن غَيـبك أعزَل مِن سِـياج التّحصيـن !
يابُــنيّ .. مَن زَيّـن الِّلسانَ ، وأقامَ على قُبح الجَنان ؛ أظـهرَ الله عليه الشّـين ، وأخفى ما أرادَ مِـن الزّيـن .. واللهُ على كُـلّ شيءٍ شهيـد !
هو الشَّـهيد .. فإنْ تَشابَـه عليك النّبض ؛ فلا تُقدِّم قَرابينك .. إنّ القَبول مَرهونٌ بما تُخفـي السّـرائِـر !
فإيّـاك أنْ تقطعَ القِفار ؛ وقلبك خَلفك !
قال التلميذ: الّلهُمّ إنّـي على قلبـي حَزينٌ ؛ وثباتـي هَـشّ !
قال الشيخ: أرِ الله مِن قلبك انكسارًا واستغفارًا ؛ يتمنّـى الشّيطان معه لو أنّـه ما فَوّت الطاعةَ عليك .. اغسِل بقايا الإثم في قلبك ؛ وما قُطفت مِن شَهوة العَـين !
قال التلميذ: عفوك عفوك يا رباه .. يـاربّ ارفِق بنا ؛ طُوفانُهم آتٍ !