خطورة المصطلحات إذا لم تُنَقَّح

"المصطلحات والمفاهيم العلمية" في العلوم الإنسانية؛ ومنها اللسانيات الغربية؛ تقتضي أن يتعامل معها الباحث والدارس بدقة وحذر؛ كون معظمها يأتينا من بيئة، وثقافة، ومعتقدات غير بيئتنا، وثقافتنا، ومعتقداتنا الإسلامية.
فالمصطلح يحمل في ثناياه قناعات وعقائد وقيم واضعه وناشريه.
فحينما يتم نقله إلى العربية؛ يجب النظر فيما إذا كان لا يمس مفهوما من المفاهيم التي جاء بها الإسلام العظيم؛ في عقائده وأخلاقه وعباداته.
فليجعل الباحث هذا المبدأ أساسا يسير عليه في أبحاثه والمدرس قاعدة يعمل بها في درسه.
فإن كثيرا من الانحرافات العقدية وغيرها؛ إنما دخلت على أهل الإسلام من باب المصطلحات وبناء الأفكار عليها.
فإنه لا يصح شرعا ولا عقلا ولا خلقا للباحث أن يأخذ المفهوم أو المصطلح من عند ملاحدة الشرق والغرب؛ فيوظفه على نفسه وعلى غيره كما هو؛ يعني من دون تهذيب ولا تنقيح؛ فيطرأ بذلك الفساد على القيم والفكر، والعقل، والنفس، واللغة، والسلوك...
وما الفوضى الفكرية التي تعيشها كثير من المجتمعات؛ والتي أضرت بسلوكيات الأفراد أيما ضرر؛ ومن زمن ليس بالقريب؛ إلا ثمرة تلك المصطلحات؛ التي لم تُنَقَّح وتُحَمَّل بتعاليم الإسلام الحنيف قبل تَبَنّيها ونشرها بين الناس.
فقد أصبح كثير من المثقفين؛ بل وحتى المتخصصين؛ يتساهلون تساهلا بلغ حد التسيب والانفلات في هذا الباب.
وإذا ما ناقشت أحدهم معترضا عليه؛ رمى في وجه النقاش بعبارة ظاهرها صواب؛ ولكن ذلك الصواب الظاهر ليس على إطلاقه؛ بل سيغدو باطلا لجلجا إذا ما ساء القصد أو أغلق على الفهم؛ والعبارة هي قولهم "لا مشاحة في الاصطلاح"...
بل الاصطلاح الباطل شرعا تخطى حدود المشاحة؛ فهو محرم لا يجوز.
فالمقصود؛ هو الحذر والانتباه واليقظة عند تلقي مفاهيم العلوم الإنسانية وعدم تقريرها إلا بعد تفحصها وتمحيصها.
وفي الأخير أقدم مثالين اثنين؛ واحد لمصطلح تم توظيفه كما يستعمله الغربيون، والآخر لمفاهيم تم تمحيصها والرد عليها وعلى مروجيها الذين نشروها.
أما الأول؛ فهو من "أضخم مصطلحات اللسانيات"؛ وضعه دي سوسير؛ "أب اللسانيات المعاصرة"؛ الذي لم يؤلف ولا كتابا في حياته! فقد نحت مصطلح (l'arbitraire du signe linguistique): "اعتباطية الإشارة اللغوية " أو "اعتباطية العلامة اللغوية "؛ ووُضع عليه أساس اللسانيات المعاصرة و طريقة تشريحها للألسن واللغات.
وهذا المصطلح ("اعتباطية الإشارة اللغوية ")؛ يشير إلى أن العلاقة بين الدال (الصورة الصوتية أو الملفوظ؛ أي الكلمة التي يتلفظها المتكلم) والمدلول (المفهوم العقلي أو النفسي لتلك الكلمة)؛ هي علاقة "اتفاقية اجتماعية" غير مبررة بطبيعتها؛ وهذا يعني أنه لا يوجد صلة طبيعية أو منطقية أو معقولة تفرض تسمية ما لكائن ما.
بل إن اللغة؛ يقول "أب اللسانيات"؛ "نظام اجتماعي يقوم على "تراضٍ" بين أفراد المجتمع اللغوي".
فهل يصح ما يفعل بنو جلدتنا؛ أو كثير منهم؛ حيث أخذوا هذا المصطلح بقده وقديده؛ ووظفوه على الخطاب القرآني؟!
وذلك في فروع عدة من اللسانيات؛ كاللسانيات اللفظية، والتداولية، وتحليل الخطاب، واللسانيات الوصفية، والدلالية...
فهل نقحت هذه المفاهيم حتى لا تتعارض مع ما تعارف عليه المسلمون في فهم وتفسير كتاب ربهم؟
أم أنها؛ على العكس من ذلك؛ أصبحت منافسة للمصطلحات والمناهج والأصول التي وضعها المسلمون لفهم القرآن وتفسيره.
وهل كلمات القرآن فيها دال ومدلول ونظام لغوي... على ما أسس له دي سوسير ومن جاء على إثره ممن اقتفى أثره وبنى على إرثه وتركته؟!
فالجواب يعلمه ويعلم خطورته العالمون العادلون.
ونسأل الله العفو والعافية.
أما المثال الثاني؛ فهي مفاهيم بعض الفرق المنحرفة؛ وهي " القدرية "و" الجبرية "و" المرجئة "؛ فقد أثرت سلبا على العقيدة والفكر واللغة؛ وانسلخ في دياجيرها من انسلخ؛ لما استساغوها وسلموا لها ولأصحابها ولم يتمحصوها...
ولكن العلماء الجهابذة من أئمة السلف؛ ومن أيام الصحب الكرام رضي الله عنهم؛ ردوها وبينوا خطرها؛ فنجى بذلك سواد الأمة بفضل الله.
فعلى هذا المنوال يجب أن يكون الباحث المسلم العالم بتخصصه؛ المحترم لضميره والمحب لمهنته؛ أن لا ينساق وراء ناعقي الغرب والشرق وما بينهما.

ك/د. أبو فهيمة عبد الرحمن عياد
أستاذ محاضر في اللسانيات وعلوم اللسان باللغة الفرنسية
متخصص في الألفاظ الإسلامية

1 comment

Baraka Allah fika